في ظلّ تسارع عمليّة تركيب قطع "الشرق الأوسط" الصهيوني، الذي يقطف اليوم ثمار قرنٍ من التقسيم والإفساد والتدمير، تبرز تصريحات ومواقف مسؤولي السلطة الفلسطينية لتضيف إلى هزليّة المشهد حالة من الإرباك المفصليّ، بين من يرى في خطاب السلطة "توبةً نصوحة" ومن يعتبرها عباءةً من النفاق لستر الخيانة. فكيف يُمكن قراءة هذا الخطاب؟ وهل لأصحابه أيُّ مكانٍ في خندق التحرّر العربيّ؟

  • ما هي السلطة الفلسطينية؟

للإجابة على هذه السؤال، لا بدّ من الانطلاق من تعريف مشروع السلطة الفلسطينية والأهداف التي أوجِدَت لأجلها.

كواقع أفعالها وخطابها، كان تأسيس السلطة الفلسطينية انعكاساُ للازدواجية التي تعتمدها قيادة منظّمة التحرير في عملها السياسي. من جهة، حمل هؤلاء إلى جزء من الشعب الفلسطيني شعارات "بناء الدولة" و"الاستقلال" و"السلام"، حتى أنهم ادّعوا بأنهم يكيدون حيلةً للصهاينة يقومون بموجبها بتحرير فلسطين على مراحل!. في المقابل، لم يستغرق الأمر كثيراً من الوقت لكشف حقيقة السلطة الفلسطينية بكونها مشروعاً "إسرائيلياً" تطوّع لخدمته قادة منظمّة التحرير الفلسطينية، وها نحن اليوم "نقطف بُرازه". في مقاله "صفقة منظمة التحرير الفلسطينية" عام 1993، يصف إدوارد سعيد الخطوة الفلسطينية بكونها "]لجوء[ عرفات إلى المشروع الإسرائيلي الذي أعاده إلى قلب الساحة، كما خلّص الإسرائيليين من مشكلة الانتفاضة التي يتمنّون إخمادها".

بمعنى آخر، فإنّ الوظيفة الرئيسية للسلطة الفلسطينية هي تخفيف أعباء الاحتلال عن الصهاينة من خلال حفظ أمنهم وقمع المقاومة ضدّهم، بالإضافة إلى تفتيت بنية المجتمع الفلسطيني إقتصادياً واجتماعياً وديموغرافياً عبر سياسة تضييع الوقت (المفاوضات) إلى أن تنجح "إسرائيل" في تحصين وجودها محليّاً وإقليمياً. يكفي أن نذكر بأنّ أكثر من 40 دولة اعترفت بدولة الاحتلال بعد اتفاقية أوسلو، بينها الصين وأكثر من خمس دول أفريقية. ولم تكتفِ السلطة الفلسطينية بفتح أبواب العالم لـ"إسرائيل"، بل قامت بمهمّتها الأمنية على أكمل وجه. إذ تشير جداول الجيش الإسرائيلي ما بين عامي 2011 و2013 إلى تسليم السلطة الفلسطينية 159 مقاوماً فلسطينياً، في حين أعادت نفس السلطة أكثر من 1600 مستوطن صهيوني ضلوا طريقهم داخل الضفة الغربية في نفس المدة الزمنية، حارمةً بذلك شعب فلسطين من فرصة تخليص أسراه في سجون الاحتلال. وما نشهده اليوم من ضم أراض ودفن حقّ العودة وتهويد القدس، يتحمّل مسؤوليته طرفان: المستعمِر الصهيوني صاحب المشروع، والخادم الفلسطيني (السلطة الفلسطينية) المسؤول عن توفير الوقت والأمان وكبح أي مقاومة فعليّة لعجلات المشروع الاستعماري. وهو ما يعيدنا إلى ازدواجيّة السلطة الفلسطينية: فهي من جهة أفشل مشروع فلسطيني؛ ومن جهة أخرى، هي أنجح استثمار سياسي "إسرائيلي".

أما اليوم، يتباكى مسؤولو السلطة الفلسطينية على أحداث المنطقة، في حين بإمكان أي مراقبٍ اختصار المشهد القائم بعمليّة "كشف أوراق" أمريكية - إسرائيلية، هي بالأصل مفضوحة إن كان اللاعب يجيد قراءة الورق. لكن دموع السلطة الفلسطينية لم تُذرَف لضياع مشروع التحرّر العربي، ولا لضياع ما تبقّى من فلسطين، حتى أنّها لم تُذرَف ندماً على ما اقترفه مشروعهم بحقّ شعب فلسطين. إن مأسأة السلطة الفلسطينية تكمن في أنها تحاول جاهدةً إعادة إنتاج ذاتها بعد انتهاء صلاحية المهمة التي وُجدت لأجلها. لم يعد الصهيوني بحاجة إلى دعوة أبي مازن "إخوانه العرب إلى زيارة السجين" ليفتح جسور التطبيع. بالمقابل، لم يعد حكّام الخليج والسودان وغيرها من الدول العريبة بحاجة إلى السلطة الفلسطينية كوسيط للعلاقات السياسية والاقتصادية وحتى الشخصية مع الصهاينة. ببساطة، هي مرحلة "انتهاء صلاحيّة"، تجابهها السلطة بورقتها الوحيدة: الابتزاز ثلاثيّ الأبعاد. ابتزازٌ الصهاينة بتخويفهم من "الإرهاب" في حال سقوط السلطة؛ ابتزاز الدول الأوروبية تهويلاً بانتهاء دورها في الساحة الفلسطينية أمام أدوار دول إقليمية كإيران وتركيا؛ وابتزازٌ للشعب العربي الفلسطيني بخطاب "الوحدة الوطنية" و"المقاومة الشعبية". والهدف من هذا الابتزاز هو إطالة عمر المشروع وأمد تمويله دوليّاً، وإن انطوى ذلك على تنازلات أكبر تدّعي السلطة اليوم أنّها ترفضها رفضاً قاطعاً.

أهي التوبة؟

يرى البعض في مواقف السلطة الفلسطينية تقدّماً ملحوظاً وخطوةً ضروريةً لـ"توحيد الجهود في مواجهة العدو المشترك"، وإن جاء ذلك متأخراً. فيما يستمر آخرون من أحزاب وفئات مجتمعية عربية في التعامل مع السلطة الفلسطينية على أنها قدر الشعب الفلسطيني، مما يجعل التوهم بتغيير حالها تفاؤلاً مقبولاً. لكن كلا التحليلين ينطويان على جريمة بحقّ الشعب العربي بالمجمل، والشعب الفلسطيني تحديداً، في إطار حربه القائمة للتحرّر من الاستعمار.

من الناحية العمليّة، يبدو واضحاً أنّ رغبة السلطة في إعادة إنتاج ذاتها لن تتحقّق، وذلك لأنّ الظروف الميدانية والسياسية لم تعد تسمح ببقاء الوضع الأول. فالسلطة الفلسطينية تشكّلت ككيان طُفيلي ضمن المشروع الأمريكي في المنطقة، وهي بالتالي غير قابلة للحياة خارج الجسد الصهيوني. أما "إسرائيل"، فهي تخطو نحو التحوّل إلى مركز اقتصادي وتجاري في المنطقة، مقابل تفريغ الهلال الخصيب الممتد من العراق إلى ليبيا وتحويله إلى "خرابة" سياسيّة. بالمقابل، فإنّ السلطة، ومن خلفها منظّمة التحرير، قد وصلت إلى مرحلة من الاهتراء مما يجعل من احتمال إعادة الهيكلة أو "التوبة" (افتراضاً) أمراً مستحيلاً على أرض الواقع. فهؤلاء لن يتخلّوا عن الخيار "الإسرائيلي"، ولهذا ما زلنا نقرأ تصريحات أكبر مسؤولي السلطة عن "حدود الـ67 وعاصمتها القدس الشرقية". لا يحمل هؤلاء غاية التحرر ولا التحرير، بل أقصى طموحاتهم هو أن يكون لهم مكان على طاولة في البيت الأبيض، مهما تضاءل حجم الكرسي، ومهما كلّف ذلك الشعب الفلسطيني والشعوب العربية من خسائر. ختاماً، إنّ التعامل مع السلطة الفلسطينية على أنّها قدرٌ محتومٌ على الشعب الفلسطيني يحمل من الاحتقار لهذا الشعب يفوق أفعال ونفاق مسؤولي هذه السلطة. إنّ الشعب الفلسطيني شأنه شأن كلّ الشعوب المستعمَرة، قادرٌ على الانتظام في حركات تحرّر تعي دورها الريادي في تحرير المنطقة من المخفر الصهيوني وإعادة ربط ما تقطّع من نسيج العالم العربي سياسيّاً واجتماعيّاً وثقافيّاً.

التمسّك بالنموذج المدعوم صهيونيّاً وتغذية استمراريته حتى بالكلمة، بات إهداراً للوقت الذي لم نملك يوماً ترف إهداره. العمل اليوم لا بدّ وأن يشمل مصارحةً للذات وللجمهور، تشمل الإيمان بقدرات الشعب الفلسطيني في الشتات وفي الداخل على تطوير تجربته الكفاحية والمساعدة (أينما أمكن) في إبراز هذه التجربة ودفن ما تعفّن من خيارات الاستسلام وخدمة العدوّ.

هي توبة فرعون، إن وقعتْ. أما نحن، شعب فلسطين، فنقول لهؤلاء ما قاله غسّان كنفاني عام 1955:

"لو كان لديكم بقيّة من حياء.. .ولا نقول شجاعة!

لو كان لديكم ذرّة من احترام النفس... ذرة واحدة..

لو كانت لديكم...لانسحبتم، أو على الأقل سكتم..

عرفكم الشعب وهو في استعداده للمعركة سيحسب حسابكم في صفوفه، أو في مقابلها على الضفة الثانية!".