كان التفجير الذي استهدف "بنك لبنان والمهجر" في 12 حزيران 2016، مسألة بالغة الحساسية بالنسبة لديفيد شينكر، الباحث في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، والمقرّب من الصهاينة آنذاك. "إنذار غامض من حزب الله"؛ بهذا العنوان أراد شينكر وصف انفجار بيروت حينها.

يقود شينكر مع مجموعة من رجالات اللوبي الولايات المتحدة لمواجهة الإسلام السياسي في المنطقة، إضافة إلى إيران وحلفائها. تشكل مقالاته طيلة سنوات عمله في معهد واشنطن مادة مهمة تُظهر مواقف الرجل وعداؤه المستحكم للمقاومة ولأي مشروع يواجه الكيان الصهيوني في المنطقة. إن استقرار لبنان يهم واشنطن إلى حدّ كبير، وذلك أساساً لأن الدولة اللبنانية تقع على حدود "إسرائيل".

وبالرغم من عدائه للإسلام السياسي، يبدو في مقاربة الرجل للجهاديين ما يستأهل الوقوف. هو ضد الإسلاميين لكنه متعاطف مع "أحمد الأسير" ومناصريه، ومع جبهة فتح الشام/ النصرة. في مقال له تحت عنوان "Iran's Shadow over Lebanon – ظل إيران في لبنان" أواخر عام 2017؛ يعبر شينكر صراحة الجماعات التكفيرية باعتبارها جماعات سنية ليس إلا. يناقش شينكر فكرة انقسام الجيش اللبناني، أو انشقاق العناصر "السنية" فيه. وهو لا يطرح المسألة إلا من زاوية ضرورة إنزال الهزيمة بحزب الله في لبنان.

 

مكافحة تمويل حزب الله:

في تعليقه على قانون مكافحة تمويل "حزب الله" دولياً، يربط شينكر في مقال له تحت عنوان: "استهداف موارد حزب الله المالية في الجبهة ]اللبنانية[ الداخلية" حزب الله بتنظيمي: القاعدة، وتنظيم الدولة الإسلامية، ويرى أن قانون مكافحة التمويل الأميركي "أمر مرحب به لاستهدافه، على الأقل من الناحية المالية، المجموعة الأبرز من الإرهابيين" يقول شينكر.

عام 2016، كان شينكر مراهناً على أن استمرار تدابير وزارة الخزانة الأمريكية ستزيد من تعقيد موارد حزب الله المالية إلى حد كبير. فمنذ عام 2001، ركزت واشنطن عن كثب على استهداف تنظيم "القاعدة"، ثم ركزت أميركا على تنظيم "الدولة الإسلامية" أواخر عام 2014. وهو ما ينبغي على الولايات المتحدة تكراره مع حزب الله من خلال قطاع مركزي (يبدي شينكر الكثير من الود له) في لبنان، هو القطاع المصرفي، وعلى رأسه رياض سلامة.

 

رياض سلامة من وجهة نظر شينكر: ثبات وبصيرة

يتمتع حاكم مصرف لبنان رياض سلامة بنوع من الحصانة والمودة الخاصة من قبل شينكر. ولعل ما أورده شينكر في غير مقال له عن سلامة يوضح بعض المُراد: فسلامة، عمل في "ميريل لينش" بسجل مميز. وأدار بمهارة السياسة المالية في دولة تشكو الانقسامات، ومن قبل "الاحتلال السوري" الذي أبطأ نمو البلاد، واغتيالات سياسية متكررة، وحروب بين حزب الله و"إسرائيل". اللافت في كلام شينكر عن سلامة تأكيده على دور الأخير الثابت والمتبصر "steady and prescient"، ورؤية سلامة الحصيفة في مراكمة الودائع في القطاع المصرفي طيلة سنوات حاكميته في مصرف لبنان.

يرى شينكر أنه وفي السنوات الأخيرة أشرف سلامة أحياناً، بصفته حاكم مصرف لبنان وتحت ضغط السلطات الأمريكية، على إغلاق الحسابات المصرفية لحزب الله. وبما أن الحزب فهم أن هذا يشكل جزءاً من توازن النسيج اللبناني – الأميركي تجارياً، فقد غض النظر ولم يُظهر عدائية تُذكر تجاه سلامة.

 

شينكر الخائف من الجيش اللبناني:

في مقال له عشية العملية التي نفذها حزب الله والجيش اللبناني صيف عام 2017 في جرود عرسال، تحت عنوان "U.S. Security Assistance to Lebanon at Risk - المساعدات الأمنية الأميركية إلى لبنان في خطر"، يعتبر شينكر أن الجيش اللبناني مازال عاجزاً من الناحية المؤسسية عن تنفيذ مهام حساسة سياسياً، كمعارضة حزب الله مثلاً. فتشريع الحكومات اللبنانية المتعاقبة مهام حزب الله في مقاومة "إسرائيل" من خلال بياناتها الوزارية، فتح الفرصة أمام الحزب لرفع مستوى التنسيق مع المؤسسة العسكرية. يضرب شينكر في مقاله ذاك أمثلة عن تعاون الجيش والمقاومة. ففي حرب تموز 2006، أطلق حزب الله صاروخ أرض - بحر من نوع "C - 802" ضد فرقاطة تابعة للبحرية الإسرائيلية من طراز "حانيت" فكاد أن يُغرقها قبالة الشواطئ اللبنانية. لم تتلق "حانيت" تحذيراً مسبقاً بالهجوم لأن عناصر من "الجيش اللبناني" سمحت لحزب الله باستخدام الرادار البحري اللبناني لتعقب السفينة واستهدافها. رداً على ذلك، دمرت "إسرائيل" كافة محطات الرادارات البحرية التابعة للجيش اللبناني.

أما بعيد الحرب السورية، فقد أولت الحكومات اللبنانية كلها مسألة الاستقرار، والأمن، أولوية فاقت أي أولوية أخرى، مما أدى عملياً إلى رفع مستوى التنسيق بين مؤسسات الدولة الأمنية وحزب الله. يتوقف شينكر عند هذه المسألة أيضاً ليعرض شواهد على المستوى الأوسع عن تعاون حزب الله والجيش اللبناني. فما بين عامي 2013 و2014، شهد لبنان سلسلة تفجيرات بواسطة سيارات مفخخة استهدفت المناطق الشيعية في بيروت. ولمنع حدوث مزيد من التدهور أقام "الجيش اللبناني" وحزب الله نقاط تفتيش أمنية مشتركة. أما في حزيران من العام 2013، فقد تخطى التعاون بين الجيش والحزب حدود نقاط التفتيش، عندما قاتلت قواتهما جنباً إلى جنب ضد أنصار أحمد الأسير (الشيخ السلفي المناهض للأسد بحسب وصف شينكر) في مدينة صيدا. وقد شارك حزب الله الجيش اللبناني في الهجوم على مجمع الأسير في مدينة عبرا.

يُلاحظ في مقالات شينكر المختلفة منطقه الطائفي ودعمه الكامل للجماعات التكفيرية، فالشعب اللبناني يدعم دور الجيش اللبناني في محاربة الإرهاب، لكن عدداً كبيراً من المواطنين ينظر إلى الجيش على أنه يستهدف السنّة حصراً. "حادثة تعذيب وقتل أربعة موقوفين "سنّة" من اللاجئين السوريين، في حزيران 2017، على يد الجيش اللبناني لم تطمئن عدداً كبيراً من السنّة إزاء مكانة الجيش اللبناني كمؤسسة وطنية"، يقول شينكر. أما المواجهات التي خاضها الجيش عام 2017 ضد "جبهة فتح الشام" (الجماعة الجهادية السنّية المعارضة لنظام الأسد بحسب شينكر)،  فقد صبت في مصلحة الولايات المتحدة على المدى القصير، إلّا أنها عقّدت الأمور أيضاً بالنسبة لواشنطن على المدى البعيد. الجيش اللبناني ليس الدواء الشافي، يقول ديفيد شينكر، فهو مؤسسة مموّلة من الولايات المتحدة، لكنها وجدت نفسها مضطرة للعمل مع حزب الله. وقد يحثّ التعاون بين الجيش اللبناني و"حزب الله الإرهابي"، المشرعين الأميركيين للاعتراض على المساعدة الأميركية المقدمة للجيش في المستقبل. خاصة مع فقد الحكومة اللبنانية أغلبيتها الموالية للغرب خلال العقد الماضي.