توطئة:
كُتب هذا الكلام بعد قرابة شهرين من اندلاع انتفاضة
١٧ تشرين، كُتب تحت وقع الحدث وكتب من قلب الساحات.

س: لماذا أنشره اليوم بعد عام كامل من كتابته ؟!

ج: وهل تغيَّر شيء منذ ذلك الوقت؟!

متى بدأ كل هذا؟.

من الصعب جدّاً الإجابة على هذا السؤال، فالغضب كالحب، لا ينطلق من بدايات واضحة، بل ينمو ويتضاعف ويتراكم إلى أن ينفجر بغتة، هكذا، دون مقدمات ودون سابق إنذار.

المكان: البلد

الزمان: ليل 17 - 18 تشرين الأول 2019 

الحدث: لبنان ينتفض 

كنت واحداً ممن وجدوا أنفسهم هناك فجأة برفقة زوجتي وصديقين طبيبين متزوجين حديثاً. ليس مهماً كيف وصلنا إلى البلد، شأننا في ذلك شأن العشرات الذين وصلوا مثلنا. ورغم غرابة الموقف وسورياليته في بلد تحكمه التناقضات، إلا أن هؤلاء الغرباء الذين ما اجتمعوا يوماً إلا تحت راية الزعيم أو الحزب أو الطائفة، اجتمعوا هنا والآن.

لم تكن هناك حاجة لتسأل واحدهم عن وجهته أو هدفه، فالغضب الذي علا تلك الوجوه في تلك الليلة كان كافياً ليغنيك عن كل كلام، وكان يكفي أن تتلاقى نظرات أي غريبين هنا ليقيما حواراً سريعاً صامتاً في السياسة والإقتصاد والأمن والطائفية والوطن والإقليم، وليتفقا على نتيجة نهائية واحدة ستتخذ بعد أيام أسماء عديدة تبدأ بالحراك ولا تنتهي بالثورة.

لقد تحولنا في تلك الليلة إلى شعب يتواصل بالتخاطر، فالكلام انتهت مفاعيله، والغضب أكبر من أن تتسع له الأبجديات.

كيف فات هذه السلطة الجاثمة على أرواحنا منذ عقود أننا كائنات من لحم ودم؟! كيف فاتها أننا قادرون على الغضب، وقابلون للإنفجار؟!

انتصف الليل، وكان العشرات قد نموا وتضاعفوا وتراكموا (كالغضب تماماً) ثم تحولوا إلى مسيرة هائلة غاضبة تجوب شوارع "الوسط" وتلعن كل هذا الخراب الكبير الذي أسمته حكومات ما بعد الطائف "إعادة الإعمار".

كيف لقادة ميليشيات أن يخلعوا بزّات الحرب ويغسلوا أيديهم من دمائنا ليتحولوا إلى "قادة" و"زعماء" وطنيين لمجرد انهم لبسوا ربطات عنق أنيقة ؟!

كيف انطلت هذه الحيلة البسيطة على الشعب "البندوق"؟!

لا جواب ...

كان لا بد من العودة إلى المنازل، تركت الساحة مدفوعاً بالضرورة، فزوجتي وصديقيَّ محكومون بدوام عملهم ضمن منظومة الرّق الحديث، وأنا – العاطل عن العمل منذ أسبوع – محكومٌ بسيارة صديقي. وصلت إلى البيت وحاولت أن أخلد إلى النوم، كان هذا عبثاً كاملاً، أمسكتُ قلماً وأول ورقة وقعت عليها يدي وكتبت: "حبيبتي، إذا فقتي وما لقيتيني، أنا رجعت ع الساحة، مش قادر ضل بالبيت" واتصلت بابن عمي: "بعدك تحت؟ تعا خدني"

عند حوالي الثانية، تحوّل المشهد من مسيرة إلى ساحة حرب، غاز مسيل للدموع، نار تلتهم الإطارات وحاويات النفايات، واجهات محال مكسورة، كرٌّ وفرٌّ بيننا وبين قوات مكافحة الشغب التي كانت تلحق بنا في بعض الأحيان وصولاً حتى "فلافل صهيون". قالت الشائعات بعد ذلك أن أول من افتعل أعمال الشغب كانوا مخبرين لدى بعض الأجهزة الأمنية، وهذه فرضية لا يمكن استبعادها، فنحن في الشرق، والحكومات هنا (قدمي في الحكومات، في البدء والنصف والخاتمة) تتقن كل هذه الأساليب الشيطانية، ولا تعرف لغة للتخاطب مع الناس بغير القمع واضحاً كان أو مقنّعاً.

هناك، وبعد الموجة الأولى من قنابل الغاز المسيل للدموع، تعرفت إلى من سيصير صديقي اللدود بالمعنى الحرفي للكلمة. "ما تشرب...ما تشرب..." ورغم معرفتي السابقة بالضرر الذي قد يلحقه شرب الماء بعد التعرض لذلك الغاز اللعين، غير أنني كدت أن أتهور وأفعلها لولا علي، إبن الخندق.

 

الخندق

لم تنته الحرب الأهلية اللبنانية مع اتفاق الطائف رغم توقف أصوات القذائف والرشقات النارية، ورغم رفع السواتر وانهيار المعابر والمحاور، إذ أن حرباً من نوع آخر بدأت، ومع انسحاب آخر المقاتلين من الشوارع، كان غزو جديد يبدأ على بيروت، المدينة التي كتب لها أن تعيش فقط في فسحات هدوء قصيرة بين كل غزو وآخر، فارتفعت أصوات الجرافات وآلات البناء العملاقة في "ساحة البرج" وراحت الساحة التي كان تسع الوطن وتاريخه تضيق وتضيق وتضيق حتى تحولت في نهاية المطاف إلى "الداون تاون".

هناك، على حافة هذا "الوسخ التجاري" بحسب تعبير مغنيي الراب البعلبكيين جعفر وناصر الدين الطفّار، يقف "الخندق الغميق" شاهداً حيّاً على المجزرة التي أرادت أن تفتك بالذاكرة والطابع والنسيج الإجتماعي الذي يشبه بيروت لصالح مباني الزجاج وكاميرات المراقبة التي تحصي أنفاس العابرين، وصولاً إلى حراس الأمن بكلابهم البوليسية التي تشبه سوليدير. وهناك، يقف "علي" _على حداثة سنّه_ حارساً للذاكرة التي يتوارثها أبناء الخندق كما أبناء كل الضواحي التي لم يغيرها زمن الحرب الأهلية بقدر ما غيّرها زمن السلم الأهلي.

في تلك الليلة، وحين عبرت مع علي سحب الغاز والدخان تحت جسر الرينغ الذي لطالما عبرت من تحته راكباً عاديّاً في "فان رقم ٤" إنتبهت لأول مرة أنني أعبر بين بيروتين. هذا العبور ليس تفصيلاً في المشهد المستمر منذ أكثر من ستين يومّا، بل إنه يشكل _بطريقة ما_ جوهر ما انتفض عليه التشرينيون.

علي وغيره من "شباب الخندق" الذين ستستخدم وسائل الإعلام اسمهم بعد فترة للتعبير عن الموقف النقيص المواجه للحراك والرافض له ليسوا كذلك في حقيقة الأمر، بل إن شباب الخندق هؤلاء كانوا ممن وضع معنا، يداً بيد وكتفاً على كتف، حجر الأساس لانتفاضة 17 تشرين، وهم ساهموا بشكل كبير في رسم هويتها وشعاراتها الأولى، بل ويقول البعض أن شباب الخندق هؤلاء هم من اخترع الهيلا هو بصيغتها الأولى، الأصلية، الجامحة والمتوحشة قبل أن تُقصَّ أظافرها وأنيابها وتُروّض لتصبح صيغة لطيفة تصلح للتداول الإعلامي.

لم يتوقف علي عن النزول إلى ساحات الإعتصام، بل واستمر في النزول (ولو خلسة) حتى بعد طلب السيد من جماهير المقاومة مغادرة الساحة، لكنه في الوقت ذاته شارك أبناء الحي في غزوتهم الأولى. هو لا يرى في ذلك تناقضاً في الموقف، يقول: "نحن كمان بدنا نعيش بدولة وبكرامة، بس لولا الحزب والحركة كنا بعدنا ممعوسين"، وهو هنا لا يمثل حالة فردية، فكثيرون كعلي لمحوا في الإنتفاضة كوة نور ونافذة ممكنة على غدٍ أفضل، لكنهم يحملون أيضاً فوق أكتافهم ما تراكم في الذاكرة المتوارثة من أقاويل عن الشيعة كـ "عتالين وماسحي أحذية في البلد".

في الأيام الأولى للحراك، وبينما كنا مشغولين بالبحث عن مكان لركن السيارة في محيط ساحة العازارية التي ستتحول مع الوقت إلى منطقة لخيم الإعتصام الدائمة، وصلنا إلى موقف للسيارات، ولكن المشهد لم يكن مألوفاً، فلا عارضة على باب الموقف، لا موظف هنا ليتقاضى بدل الوقوف الفلكيّ الذي قد يتجاوز في  بعض الأماكن ما يمكن أن يحققه ربّ أسرة لبنانية من دخل يومي، لا شيء... يومها _وحتى اليوم_ صار الموقف مجانياً.

ضحك علي كثيراً حين أخبرته بالحادثة، ثم نطق بجملة حملتني سريعاً إلى قمة "النشوة الثورية" حين قال: "وهيدي أول إنجازات الثورة، أمّمنا مواقف البلد".

فكيف تحولت علاقة علي مع الحراك، كما تحولت عبر السنوات علاقة الخندق مع البلد، من علاقة يحكمها الوعي الطبقي إلى علاقة يحكمها الوعي الطوائفي؟!. إبحثوا عن جوهر النظام الطائفي اللبناني، ونقّبوا عميقاً عن استثماراته العابرة للطوائف في الخوف الدائم من "البعبع يللي بدو ياكلنا".

 

شيعة، شيعة، شيعة

يقول عالم الأنتروبولوجيا موريس جودلير أن أحد أهم التطويرات الإجتماعية لدى البشر كان ظهور دور الأبوة لدى الذكر الذي يكاد يكون غائباً لدى بقية الكائنات، حيث أن الأبوة لديهم لا يمكن تحديدها بدقة. وفي بلد المجموعات البشرية التي تتصادم وتتباعد كطابات البلياردو في حفلة جنون لا تنتهي، تصبح "صناعة الإنتماء" إلى الأب، بدءا من الآباء الروحيين للطوائف والأحزاب والأطر وليس انتهاء بـ"بيّ الكل"، هي ورقة الجوكر في يد من يملكها، فكان العرّاب - الطائف وكان الآباء -الطوائف.

ليس هذا نمطاً مستجداً من العلاقات في الشرق العربي، فأصول هذا النظام البطريركي (و"بطريرك" كلمة يونانية تعني أب) تعود في نشأتها إلى النظام القبلي القائم على صلة الدم والقربى والعصبية القبلية، والذي كان واحداً من أول أنماط الدولة لدى العرب. وبالرغم من أن الإسلام حاول تغيير هذه البنية التقليدية عبر طرح مفهوم "الأمة" كبديل لمفهوم القبيلة، غير أن هذا النظام استمر مهيمناً على الوعي الجمعي العربي واستمرت العلاقة الهرمية الصارمة في تحديد البنى الإجتماعية والاقتصادية والثقافية والسايكولوجية والسياسية سواء على مستوى الفرد والعائلة أو على مستوى المجتمع، ولم يتمكن العرب، حتى مع دخولهم عصور الحداثة من بناء عناصر التحديث الضرورية لتكتمل وتنضج مفاهيم الوطن والمواطنة والهوية. إستمر التخبط واتسع هامش الهلامية التي باتت تحكم اليوم كل شيء.

مؤخرا، ومع انتشار تراند "السحسوح" انتشرت بكثافة مقولة (عم أضربك لمصلحتك) ورُكّب حولها الكثير من النكات والثيمات على مواقع وتطبيقات التواصل الاجتماعي، وبعيدا عن كون هذه الفكرة المرفوضة والمدانة لوناً من ألوان الكوميديا السوداء الكثيرة التي نعيش مظاهرها كل يوم في بلادنا، ولكن أليس هذا هو واقع الحال ؟! أليس هذا هو ما يفعله الأهل حقّاً ؟! ثم هل شاهدت يوماً تسريبات فيديو لزعماء الطوائف والسياسة في لبنان وهم يخاطبون مناصريهم في الجلسات واللقاءات المغلقة ؟! هل رأيت وسمعت النفَس الأبوي في الخطاب ونبرة الصوت ولغة الجسد ؟! ليس مستغرباً، والحال كذلك، أن عدداً غير قليل من الشبان والشابات المنخرطين في هذه الإنتفاضة يسمعون على مدار اليوم والساعة من أهلهم خطاباً رافضاً لما يقومون به ومحاولاً إقناعهم، باللين أو بالشدة، بالنصح أو بالضغط، بالعدول عن ذلك، وعلي كان واحدا من هؤلاء الذين سمعوا من أهلهم رفضاً بدأ خفيفاً متفهّماً ثم ما لبث أن تحول إلى رفض قاطع لكل مظاهر الحراك وصولاً إلى تخوينه .

ضمن هذا السياق الأبوي يمكن فهم شعار "شيعة، شيعة، شيعة" الذي نال حصته في كل وسائل الإعلام ووسائل التواصل الإجتماعي شجباً ورفضاً ومداخلات توعوية، ولكنه لم ينل ما يستحق من التحليل لفهم أبعاده كظاهرة لم تكن يوماً حكراً على الشيعة وحدهم، وهذا الشعار الذي ستجد نظيراً له عند كل طائفة ليس وثيقة حزبية، وليس إعلاناً سياسياً، بل هو بكل بساطة عزف على أوتار الوعي الجمعي المشغول والمعلّب بحرفية كبيرة. ولأنه كذلك، كان يكفي لفرد واحد أن ينطق به حتى يعتبره الجمع تعبيراً عن الهوية ليتحول إلى شعار جارف. لكن من الإجحاف بمكان تحميل وزر هذا الانحراف المفهومي الذي حوّل الدين والمذهب من منظومة قيمية وأخلاقية وجدت بالأصل لتنظم علاقة الإنسان مع ربه ومنها مع ذاته ومجتمعه إلى "هوية" ترسم حدوداً قاسية بين الـ"نحن" والـ"هم". فاتفاق الطائف، المسخ الذي ولد من رحم الإقتتال الطائفي الدامي، إنما هو مصمم ليعزز هذا الشعور الإنعزالي، وهو نظام لا يمكن الرهان عليه لبناء هوية وطنية واحدة جامعة تضم تحت سقفها شتات ما تشظى من أفكارنا ورؤانا ومعتقداتنا خلال سنوات الحرب.

في العام 2012، تخرج علي من الثانوية بمعدل جيد، وكحال معظم أبناء الأطراف الذين يعيشون على هامش الوطن، تقدم بطلب انتساب إلى المدرسة الحربية وتجاوز الإختبار النفسي والرياضي ووصل إلى الإختبار الصحي الذي رمى به خارج السباق لعدم مطابقته للشروط من ناحية الطول، فتوجه مباشرة إلى الخيار التالي على اللائحة، وهذه اللائحة تكاد تكون موحدة ضمن البيئة التي جاء منها علي، فقام بالتسجيل في كلية العلوم في الجامعة اللبنانية. بعد فترة، وخلال لقاء جمع بين علي وزميل دراسته الذي حالفه الحظ فصار تلميذ ضابط في الكلية الحربية، إنفجر الواقع الطوائفي اللبناني بكل ظلمه وظلامه في وجه علي. فهناك، على الطاولة نفسها، كان تلميذ ضابط آخر حاضراً، وكان بطول علي الذي قال: "حين حاولت فهم هذه المعضلة، اكتشفت أنهم قد يتهاونون في بعض الشروط مع بعض الأشخاص للحفاظ على التوازن الطائفي".

نعم، ففي القرن الحادي والعشرين، وفي زمن ارتياد الفضاء والانترنت والنانو، لا يزال دخول جنة الوظيفة الحكومية والقطاع العام في لبنان يخضع لمعيار طائفي اصطلح على تسميته "ستة وستة مكرر"، ولهذه التسمية حكاية تعود إلى عام 1963 والمراسلات التي جرت بين الرئيس اللبناني آنذاك إميل إده والمفوض السامي الفرنسي دامين دو مارتيل، فبعد خمس مراسلات لبنانية وخمسة ردود فرنسية، كانت المراسلة رقم ٦ التي نصت على: (أتشرف أن أثبت لفخامتكم أن الحكومة اللبنانية مستعدة أن تضمن لجميع تبعتها من دون تمييز المساواة في الحقوق المدنية والسياسية، وهي مستعدة أيضاً أن تؤمن تمثيل مختلف عناصر البلاد في مجموع وظائف الدولة تمثيلاً عادلاً) وأتبعت بمراسلة رقم 6 - مكرر تفيد بأن الحكومة اللبنانية ستؤمن توحيد النظام المالي، وستطبق برنامج إصلاحات إدارية على كل أراضي الجمهورية. جاء الرد الفرنسي بأخذ العلم ثم رحل دو مارتيل الذي عُرف بطبعه الفكاهي والتهكمي، وترك لنا هذه النكتة السمجة التي ستتحول بعد ذلك إلى عرفٍ يحكم التوازنات اللبنانية الهشة.

"النظام ظالم" يقول علي، ويضيف "كيف لنظام يجبر فئة من اللبنانيين أن يحصلوا على حصة لا تساوي نسبتهم، لا انطلاقا من معايير الكفاءة والجدارة والأحقية، بل لمعايير طائفية بحتة أن يكون نظاماً عادلاً؟!".

ويختم: "النظام ظالم، هو يحكمنا بالكوتا ولا يتعامل مع اللبنانيين كمواطنين في وطن انطلاقا من معايير الحقوق والواجبات، بل إنه يتعاطى معهم كرعايا لطوائفهم، ومعنا نحن كشيعة، وحتى يأتي اليوم الذي يسقط فيه النظام هذا المعيار ويرفع معايير أكثر عدالة فسنبقى نتعاطى معه كشيعة، شيعة، شيعة..."