فتحت زيارة رئيس مكتب حركة حماس السياسي "إسماعيل هنية" إلى بيروت مطلع أيلول المنصرم باباً جديداً للجدل السياسي في لبنان. الكثير من الجيوش والمواقع والصفحات الإلكترونية، جعلت من زيارة هنية مادةً دسمةً للاستثمار ضد المقاومة، بحجة أن تحالف حزب الله وحماس يعرض أمن لبنان للخطر، بعد أن كانت الحجة لسنوات خلت التصويب على حزب الله لافتراقه عن حماس وتخليه عن المقاومة الفلسطينية. ومن الواضح أن القائمين على مثل هذه الحملات الإعلامية لا يجدون حرجاً في استخدام الحجة ونقيضها مراراً وتكراراً من أجل الهدف نفسه دون أي مراعاة لذكاء المتلقي.

وكانت زيارة هنية قد اندرجت ضمن جهود مواجهة التطبيع العربي مع "إسرائيل"، وسعي حركة حماس لاستعادة دعم محور المقاومة بعد أن تلاشت كل الآمال بأي موقف عربي يفرمل الاندفاعة نحو تصفية القضية. ورغم أن هنية شارك في بيروت في اجتماع الفصائل الفلسطينية الرامي لتوحيد الموقف الفلسطيني ضد التطبيع، إلا أن مواقفه ولقاءه الأمين العام لحزب الله أدخل الزيارة في بازار الصراعات الداخلية اللبنانية، والاستثمار المحلي في حساسية المسألة الفلسطينية للتصويب على حزب الله مسيحياً.

وكانت الأطراف نفسها التي فتحت النار اليوم على حزب الله بحجة اللقاء مع حماس، قد سعت إلى ذلك عام 2012؛ أي في أوج افتراق حماس عن محور المقاومة بداية "الثورة السورية"، حين زار وفد من قوى 14 آذار قطاع غزة والتقوا اسماعيل هنية في مقره في غزة مثمنين دوره، ومشيدين به لمجرد ابتعاده عن محور دمشق – طهران. وبعيداً عن كليشيهات "مقتضيات الأمن اللبناني" و"تحييد لبنان عن صراعات الإقليم"، كان مطلوباً في تلك المرحلة على ما يبدو تظهير موقف فلسطيني، من مكوّن بحجم حماس ضد حزب الله ودمشق وطهران، وما يستتبعه ذلك من تلويح باستخدام الورقة الفلسطينية ضد محور المقاومة في لبنان، كما في سوريا، وبمثل ما جرى في مخيم اليرموك.

حينها، وقفت حماس بشكلٍ واضح ضد كل حلفاء حزب الله في الإقليم، ليس في سوريا فحسب، بل في أيضاً في العراق واليمن، فروَّجت أذرع حماس الإعلامية لما سمي بثوار العشائر في العراق؛ الذين شكلوا نواة "داعش" آنذاك، وحافظت الحركة على علاقاتٍ طيبة مع الحزب الإسلامي العراقي المشارك في مجلس برايمر والمشارك في العديد من العمليات الإرهابية رغم انخراطه في العملية السياسية.

كذلك الأمر في اليمن حيث أيدت حماس ميليشيا حزب التجمع اليمني للإصلاح في قتالها إلى جانب التحالف السعودي - الإماراتي ضد حركة أنصار الله (الحوثيين) إلى درجة توسط خالد مشعل للتوفيق بين الشيخ عبد المجيد الزنداني والسعوديين لتوحيد جهود الطرفين في الحرب، وقد رد السعوديون الجميل باعتقال عناصر حماس في المملكة، فيما رد عملاؤهم في اليمن بالمشاركة إلى جانب نتنياهو في مؤتمر وارسو للسلام والأمن عام 2019، وإعلانهم تأييد التطبيع عام 2020. في الوقت الذي لم يجد فيه المعتقلون الحمساويون من يقدم مبادرةً لمبادلتهم بضباطً سعوديين أسرى إلا السيد عبدالملك الحوثي في موقفٍ يستحق التأمل.

وكان لافتاً عمل وكالة شهاب "الحمساوية" طيلة كل هذه السنوات. إذ لم تتورع الوكالة عن نشر رسوم كاريكاتورية مهينة لقادة محور المقاومة من الخامنئي إلى الأسد إلى نصرالله، وامتلأت صفحاتها بمقالات التحريض الطائفي البغيض الذي لم يعر أي اهتمام للمصلحة الفلسطينية، ولم يحفظ حتى الجميل لمحور المقاومة الذي عمل قادته ومقاتلوه "عتالين" في خدمة القضية الفلسطينية، ولعل قضية "سامي شهاب ومصانع الصواريخ في أم درمان السودانية، ومعسكرات التدريب السورية خير شاهد على الأمر.

فيما بقي مكتب قناة الأقصى التابعة لحماس وسط الضاحية الجنوبية يبث الدعاية الطائفية ويستنكف عن نقل خطبة الأمين العام لحزب الله، وبقي مركز حماس الذي انفجرت فيه أحزمة ناسفة عن طريق الخطأ في وسط حارة حريك يستقبل قادة حماس العائدين من سوريا في طريقهم إلى قطر وتركيا دون أن يمسهم أحد. لا بل حافظ حزب الله على موقفه العلني الداعم للمقاومة الفلسطينية وعلى رأسها، حركتي حماس والجهاد الإسلامي، وحافظ السيد نصر الله على مخاطبة اسماعيل هنية بعبارة "الأخ المجاهد" وفي غمرة التوقعات بأن حزب الله سيدير ظهره للمقاومة الفلسطينية بعد الطعنة التي تلقاها في سوريا وقف السيد نصر الله في ظهور شخصي نادر خاطباً "نحن شيعة علي بن أبي طالب لن نتخلى عن فلسطين" مغلقاً الباب أمام أي تخيلات من هذا النوع. في المقابل قوبلت كل هذه المواقف والجهود بالجحود لمجرد الإحساس بفائض قوةٍ مُتوهم بوصول الإخوان إلى الحكم في مصر وقرب وصولهم إليه في سوريا برعايةٍ تركية - أميركية.

لقد عاد إسماعيل هنية بعد 27 عاماً إلى قرية مرج الزهور جنوبي لبنان التي أُبعد إليها ورفاقه من حركتي حماس والجهاد عام 1992. يومذاك سارع مقاتلو حزب الله في الأحراج المحيطة إلى إمداد المبعدين بالمؤن الضرورية للبقاء والصمود، والمواد اللازمة لبناء المخيم ومُصلّاه الشهير الذي لم يجد المبعدون له إسماً بين السلف الصالح وكبار رجالات وعلماء الاسلام العظام أفضل من اسم "ابن تيمية" صاحب فتوى "قتال الشيعة أولى من قتال الأرمن"، ورغم سماع مقاتلي حزب الله همساً طائفياً مراراً وتكراراً وانتقاداً لمرجعيتهم الدينية منذ تلك المرحلة وإلى اليوم لكن قرارهم بقي "هو... هو" طوال العقود الثلاث التالية بأن أي خلافٍ مهما بلغ حجمه وعمقه يجب إشاحةُ الوجه عنه طالما بقيت البندقية موجهةً إلى صدر العدو المشترك "إسرائيل".