كلا، ما تشهده مدينة بعلبك من مآسٍ يومية متفاقمة ليس قدراً محتوماً. وكلا، ليس هو نتيجةً لظروف مناخية، أو طبيعة جغرافية، أو عوامل أنثروبولوجية كما يحاول الكثيرون اليوم الإيحاء. بعلبك تعاني اليوم لأنه ومنذ مائة عام، هناك من قرر أن تبقى الأطراف المضافة إلى لبنان الكبير أطرافاً خارجيةً، فظلت بتاريخها ورموزها وعاداتها مختزلة تماماً من صورة لبنان وتاريخه، ظلت غريبةً ومنعزلةً عن أبناء المدينة في المركز، والجبل (السكان الأصليون). لا زلت أذكر حين كنت في الصف الأول ثانوي في "المدرسة الرسمية"، منهاج مادة التاريخ الذي يبدأ من الأمير قرقماز المعني في جبل لبنان، وينتهي بإعلان لبنان الكبير. وهكذا، على مدار عام كامل، لم نسمع عن طرابلس، عكار، بعلبك، الهرمل، جبل عامل، إلا عندما أعلمونا بضم تلك الأقضية إلى جبل لبنان. ولأننا في لبنان لم ندرس شيئاً عن تاريخ البقاع، فأسهل ما يكون خلق صورة نمطية لتلك المنطقة وسكانها - لتحميلهم مسؤولية الألم الذي تحياه -، وهو ما كُثّف في الفترة الأخيرة من خلال البرامج التلفزيونية والمسلسلات الدرامية.

هكذا يُرجع اليوم أصحاب القرار، كما المزاج العام اللبناني، الفلتان الأمني الذي تشهده منطقة بعلبك - الهرمل إلى عاملين أساسيين (يعتبران بنظر هؤلاء الآفة الكبرى) هما: زراعة الحشيشة، وسيطرة العشائر. ولا ينكر أحد أننا نتحدث فعلاً عن آفتين عظيمتين لا بد من حل لهما ليستقيم الأمر في المحافظة. ولكن هل فكر أحدنا يوماً، في كيفية وصول الأمر إلى ما وصل إليه حال المنطقة اليوم؟.

زراعة الحشيش:

على الرغم من عدم ثبوت معلومة مؤكدة عن قدوم زراعة الحشيش إلى لبنان، بين من يرى أنها كانت سلاح الإنكليز الذين جلبوها معهم من الهند لتزرع في لبنان وتصرّف في مصر، وبين من اعتبر أن الفرنسيين استقدموها وكانوا أول من أسس لعملية زراعتها وتصنيعها، إلا أن المؤكد أن المخدرات هو القطاع غير المنظور الذي كان يصحح عجز ميزان المدفوعات اللبناني عبر عقود، بحيث اعتُبرت هذه الصناعة بترول لبنان لعدة سنوات خلال الحرب الأهلية، إذ تراوحت إيرادتها المالية بين 1 و 4 مليار دولار في السنة. أما في الفترة الممتدة بين عامي 1920 و1946 فقد استند الاقتصاد اللبناني إلى إنتاج الحشيش بنسبة 50% من مجمل نشاطه.

أزاحت زراعة الحشيش "عبء المنطقة" عن كاهل الدولة، إذ ترَكت الحكومات المتعاقبة سكان بعلبك لنوع من الإدارة الذاتية. كل ذلك سمح لهذا القطاع غير القانوني بالتطور والنمو. فبعيد الاستقلال، تحديداً عام 1944، عزمت حكومة رياض الصلح وسط حملة إعلامية كبيرة على مكافحة زراعة الحشيش، فأوفدت قوة من الدرك والشرطة يدعمها خبراء مكافحة المخدرات من السفارة البريطانية في بيروت. إلا أن تقريراً بريطانياً وصف الحملة بالخفرة، وأضاف التقرير أن زراعة القنب مزدهرة أكثر من أي سنة سابقة، وأن قانون العقوبات اللبناني لا يردع ولا يخيف الناشطين في هذه التجارة سواء بغراماته المنخفضة، أو بعقوبات السجن القصيرة في ظل نفوذ التجار الذين يتمتعون بحصانات سياسية. وخلص التقرير إلى أن من يتلقى عقاب الغرامات والسجن هم فلاحون وشغيلة فقراء يعملون لدى كبار التجار، فيكونون كبش المحرقة كلما سعت الدولة لتدبير عمل استعراضي إعلامي لتوحي أنها تقوم بواجبها.

يقول الكاتب مايكل جونسون، أن الأجهزة الأمنية اللبنانية تراجعت كثيراً عن جهد المكافحة، وأخذت تغض النظر عن تهريب الحشيش وتجار الأسلحة وشبكات الدعارة والخوات. وذلك بهدف كسب ود زعماء الجريمة المنظمة في لبنان، الذين تمتعوا بغطاء من الزعماء لضرورات انتخابية عام 1947 وحاجة السياسيين إلى تمويل ماكيناتهم الانتخابية.

يكشف تقرير صادر عن السفارة الأميركية في بيروت عام 1948 أن "شخصيات في حاشية رئيس الجمهورية بشارة الخوري ضالعة مباشرة في هذه التجارة"، وبالأخاص رئيس البرلمان صبري حمادة والنائب ابراهيم حيدر، وحذر التقرير الأميركي من أن القضاء على هذه التجارة في لبنان يحتاج ليس إلى أقل من ثورة شعبية تقضي على الشبكة السياسية الفاسدة التي تدعمها. كما شرح التقرير كيف تمكنت الدولة اللبنانية وأجهزتها التهرب في عهد بشارة الخوري من مساءلة الحكومات الغربية والانتربول وغيره من المنظمات الدولية للمحافظة على تجار المخدرات ورعاتهم السياسيين.

في العام 1950 ذكر تقرير مكتب مكافحة المخدرات الأميركي أمثلة عن الغطاء السياسي لتجارة وزراعة المخدرات، منها "أن السيد صبري حمادة أحد أكبر مزارعي المخدرات في لبنان، وأحد أكبر ملاكي الأراضي في البقاع، يتمتع بنفوذ سياسي كبير يمتد من عضويته كنائب في البرلمان، ومنصبه كرئيس مجلس نواب، وسطوته على كتلة من ثمانية نواب في البرلمان هم من دائرته الانتخابية، ويختارهم شخصياً ليكونوا ضمن طاعته. ومن أعضاء لائحته الانتخابية النائب ابراهيم حيدر وهو من ملاك الأراضي". أضاف التقرير "أن النائب ابراهيم حيدر يشرف على زراعة القنب وعلى تحسين إنتاجه في البقاع وكان وزيراً للزراعة أكثر من مرة في الحكومة اللبنانية". ولم تكن المرة الوحيدة التي يتم فيها اختيار أحد كبار التجار وزيراً للزراعة، ففي عام 1951 عين رئيس الوزراء عبد الله اليافي يوسف الهراوي وزيراً للزراعة، والأخير كان أحد "لوردات زراعة القنب في البقاع" كما أوردت التقارير الأمركية.

ويكشف تقرير أميركي آخر عام 1949 أنه: "عام 1948، أنجز خبير زراعي أميركي مشروع بستان تفاح يملكه رئيس الجمهورية، لكن الرئيس غير رأيه وأراد تحويله نحو زراعة الحشيش، في حين كان لشقيق الرئيس؛ سليم، وابنه خليل حصة في أي مشروع، أو صفقة، أو تعيين إداري في الدولة، فجَنيا أموالاً من صلتهما برئيس الجمهورية حتى أن الأمن المصري قبض على خليل بشارة الخوري ومعه عمر مكوك؛ وهو خبير في صناعة المخدرات في لبنان وهما ينقلان شحنة أفيون إلى مصر عام 1950.

وكتبت صحيفة نيويرك تايمز آنذاك، أن رئيس الحكومة عبد الله اليافي، أغضب شخصيات مسيحية مارونية تسيطر على جزء من تجارة المخدرات منها خليل بشارة الخوري، فأُجبر اليافي على الاستقالة في 11 شباط 1952 لصالح شخصية أكثر انقياداً لرئيس الجمهورية هي سامي الصلح ابن عم رياض الصلح.

لم ينته الأمر مع رحيل بشارة الحوري، ففي عام 1953، وفي عهد الرئيس كميل شمعون، حذرت الولايات المتحدة في رسالة إلى السفير اللبناني شارل مالك في واشنطن من أن سفير لبنان السابق لدى منظمة الأونيسكو في باريس يهرب المخدرات، وتربطه صلة عائلية وثيقة بشخصيات لبنانية.

وفي عام 1954، حذّر المكتب الفيدرالي الأميركي لمكافحة المخدرات، الحكومةَ اللبنانيةَ، في رسالة إلى شارل مالك من: "أن المخدرات الممنوعة في الولايات المتحدة الأميركية مصدرها إلى حد كبير تجار المخدرات في لبنان، وقد باتت بيروت أكبر مركز توزيع وتصدير للمخدرات في العالم. ثم أن التجار اللبنانيين بتمتعون بنفوذ سياسي، كما أن سياسيين لبنانيين من مناصب عليا ضالعون في تجارة المخدرات. إلى حد يمكننا القول أن الحكومة اللبنانية بنفسها ضالعة في تجارة المخدرات".

حينها، قرر الرئيس كميل شمعون إرسال الجيش اللبناني في حملة كبرى إلى بعلبك - الهرمل ليضع حدّاً لزراعة وتصنيع المخدرات. إلا أن قائد الجيش فؤاد شهاب رفض تنفيذ أوامر شمعون ورفض ضرب نقاط المسلحين بالطائرات الحربية. بدل ذلك طالب شهاب رئيس الجمهورية والحكومة بخطط تنمية اقتصادية لهذه المناطق بدل الحملات العسكرية. فتدهورت علاقة شمعون بشهاب حتى آخر يوم من رئاسته.

أجرى الرئيس فؤاد شهاب إبان عهده دراسة نفذتها بعثة إيرفد IRFED الفرنسية للنهوض بالوضع الاقتصادي في لبنان، ومع مجيء شارل الحلو خلفاً له في رئاسة الجمهورية، تتابع العمل على توصياتها، فبدأ عهده بمكافحة حقول القنب وتعويض المزارعين بزراعة بديلة هي دوار الشمس لإنتاج الزيوت بمساعدة تقنية من فرنسا وسوريا. وتحمست الحكومة للمشروع وألحقت خطواتها بالمشروع الأخضر عام 1967 وهدفه النهوض بوادي البقاع واستبدال زراعة الحشيش بزراعات بديلة تدريجياً. ولكن مافيا المخدرات وأربابها السياسيين كانوا للحكومة بالمرصاد، إذ رفض مجلس النواب طلب الحكومة تمويل مشروع المشروع الأحضر من خزينة الدولة. فانتهى المشروع وانتصر تجار المخدرات.

واستمر الحال بتعاقب الرؤساء، ومرور الزمن، حتى وقعت في عهد الرئيس سليمان فرنجية ما عُرف بفضيحة نيويورك عام 1970، حينما فُتش الوفد اللبناني برئاسة فرنجية في مطار نيويورك بالاستعانة بالكلاب البوليسية، بعد وصول معلومات تفيد بأن الوفد يهرب كميات من المخدرات في حقائبه، وهو ما سبب بأزمة سياسية بين الرئيس فرنجية والولايات المتحدة الأمركية استمرت حتى نهاية عهده.

ومع دخول لبنان في أتون الحرب الأهلية، أصبح للميليشيات دور أساس في إدارة القطاع والاستفادة منه، حيث كان للقوات اللبنانية دور كبير في تجارة المخدرات عبر الموانئ التي تسيطر عليها على الساحل اللبناني.

هكذا وإلى اليوم، حول أرباب السياسة في لبنان منطقة البقاع اللبناني إلى واحة مخدرات تدر عليهم أرباحاً هائلة، مانعين أي إمكانية للاستفادة الفعالة والمفيدة من سهل البقاع، وحارمين منطقة بعلبك - الهرمل من التنمية وفرص العمل حتى  باتت تلك الزراعة قدرها الوحيد.

العشائرية:

أما عن العشائرية وسيطرتها على المنطقة، فليست منظومات الحكم المتعاقبة بمنأى أيضاً عن ما وصل إليه الحال اليوم، ففي مراجعة لتاريخ مختزل من ثقافة الشعب اللبناني نقف عند شواهد كثيرة تُظهر الدور الحقيقي الذي كانت تلعبه تلك العشائر قبل أن تدخل يد الأنظمة الفاسدة لتشوه شكل المنطقة وتاريخها.

ففي وثيقة تعود لعام 1859 بين آل حرفوش وآل حمادة، تتعاهد العشائر الكبرى في بعلبك، على تنظيم الأمن فيما بينها، وتقر أن "متى حصل مقدور أو تعدي من شخص على آخر بدون استثناء البتة، حمادياً أو بعلبكياً، في جبيل والهرمل وتوابعهما أو من ساكني اللواء الكبير كان صغيراً أو كبيراً، فقيراً أو غنياً، فبدون الالتفات إلى الغاية أو التعصب، ينظر ماذا يقتضي لمنع  لمنع ورد ذاك المعتدي وبالحال من طرف المأمورين المقررة اسماؤهم يجري ايجاب منعه وترتيب جزاؤه حسب ما يقتضيه الحال والاستدلال. وهكذا من بعد الآن كامل الحقوق تحفظ بالتساوي، غير مجاز لأحد بأن يتميّز بقوله حمادياً أو بعلبكياً، بل الجميع باليد الواحدة كما تقدم آنفاً كشخص واحد، كما وأنه إذا صار غدر على أحد الإدارتين أو على أحد أفراد أهاليها أو من يلوذ بهما كبيراً أو صغيراً، فملزومون ومضطرون بحق الحقوق الدينية الشرعية الذي صار بتها وتأسيسها الآن. إن جميع الجمهور من كلا الطرفين معاضداً له ومؤازراً إياه لأجل استخلاصه مما هو فيه؟ ومكلفون أن نكون يداً واحدة… لصالح الجميع"، و"عند وقوع أمر ما كلي أو جزئي حتى لارتكاب جريمة القتل القطعية، فوّض الأمر لرأي وإدارة ولاة أمورنا جناب افندم الأمير سلمان المأمور حالاً، ولجناب المشايخ السابق الإيحاء إليهم، كي يتدبروا بما يروه موافقاً للعدل والاستقامة. ولا يحق لنا معارضتهم بذلك، طالما هم يحكمون بموجب الحقانية الملتزمة وعندما أحد منهم يتراضى بمأموريته، ويبطئ عن إجراء وظيفته السياسية، ولا يتدارك منع المهيجات والحركات الردية عند وقوعها أو يستعمل عدم الراحة العمومية بوسائل تدخيل أساليب الفتن المزعجة، فنكون جميعاً بوحدة الحال لمنعه ورفعه من مأموريته".

 كما أن لدور تلك العشائر في مقاومة الاحتلال الفرنسي تاريخ مجيد، لم يحظَ أيضاً بأن يكون جزءاً من تاريخ الوطن، ففي العام 1927 استقبل الثائر الشجاع زين مرعي جعفر الثوار المشاركين في ثورة سلطان باشا الأطرش ضد الانتداب، وشارك "الجعافرة" بقيادته في معركة وادي فيسان حيث ملأت جثث قتلى وجرحى الفرنسيين الوادي، فانضم إليه الثائر توفيق هولو حيدر في منطقة بعلبك، وأشعل الثورة في المنطقة، والتي كان من المشاركين الفاعلين فيها أيضاً، أبو علي ملحم قاسم المصري، الذي ما زال سكان بعلبك يحيكون الأساطير عن شجاعته ومعاركه ضد جمال باشا وجيشه، وفيما بعد الاحتلال الفرنسي.

بعلبك الهرمل اليوم:

ليست المخدرات، أو الحشيش، هي المسؤولة عن التدهور الاجتماعي في منطقة بعلبك - الهرمل، بل هي كانت سلاح الأنظمة الفاسدة التي أوصلت المنطقة لحالها اليوم، كما ليست العشائرية هي المسؤولة عن التدهور الأمني.

بعلبك الهرمل تحتاج اليوم إلى الدولة التنموية، قبل الخطة الأمنية، إلى الزراعات البديلة قبل تشريع الحشيشة، إلى المدارس الرسمية، والجامعة اللبنانية. تحتاج إلى طرق تجمع أطرافها المترامية. وتحتاج كما طرابلس، وعكار، أن تكون جزءاً من الوطن. إن وطناً ينهار بعد مائة عام من ولادته، هو بأمس الحاجة ليقوم بأبنائه، فلا تختزلوهم، علنا نستدرك بعضاً منه.