على بعد أقل من شهر واحد فقط من الانتخابات الرئاسية الأميركية في تشرين الثاني ٢٠٢٠، بدا السباق على كرسيّ المكتب البيضاوي في البيت الأبيض محتدماً أكثر من أي وقت مضى. ففي ظل الأزمات المتعددة المحيطة بالداخل الأمريكي، من سوء إدارة وفشل باحتواء فيروس كورونا، إلى البطالة التي وصلت إلى أرقام قياسية، إلى الإحتجاجات المتجددة على عنف الشرطة والتمييز العنصري، وفي ظل الأزمات الدولية المتلاحقة التي تلعب الولايات المتحدة الأمريكية دوراً بارزاً في معظمها، كانت الأنظار في العالم بأسره مسلّطة على المناظرة الرئاسية الأولى (من أصل ثلاث مناظرات) بين الرئيس دونالد ترامب ومنافسه المرشّح الديمقراطي جو بايدن.

خلال هذه المناظرة بدا أن ثمة موضوعين محل اهتمام المحاور، إذ طلب المحاور من ترامب أن ينتقد واحدة من الحركات العنصرية الصاعدة حديثاً ضد السود وضد "اليسار المتطرّف" كما يسمّيه ترامب، فتهرّب الأخير من هذا الطلب، لا بل طالب من "الفتيان الفخورين" أصحاب هذا التوجّه أن "يراقبوا ويتأهبوا". ثمّ عند سؤاله عن إمكانية أن يطلب من مناصريه الهدوء وأن يضمن انتقالاً آمناً للسلطة في حال خسارته الإنتخابات، رفض ترامب تقديم أي ضمانات، بل تطرّق إلى مسألة التصويت عن طريق البريد مهدّداً بأنّ "هذا الأمر لن ينتهي بشكل جيّد".

ما يهم من هذه المناظرة - التي كانت أقرب إلى مسرح كوميدي تبادل فيه الطرفان الهجمات الطفولية على بعضهما البعض، ووصفتها وسائل الإعلام الأمريكية بالعرض المذل والمحرج - هو تجديد وتأكيد المخاوف من النتائج المترتبة على خسارة ترامب في حال حدوثها. كلام ترامب اليوم أعطى مشروعية حقيقية لهذه المخاوف، هذا فضلاً عن أن دعوات الرئيس الأميركي لاقت صدى وتجاوباً كبيراً من قبل مؤيديه ومناصريه الذين علّق بعضهم قائلاً: "نحن متأهبون سيدي"، في حين استنبط آخرون من كلامه أن "ترامب واقعاً يدعونا لكي نسحقهم، ونحن جاهزون لذلك".

أما في ما يتعلّق بلبنان، ورغم أن نقاش السياسة الخارجية غاب عن المناظرة، إلا أن تصريحات ترامب خلالها والتي لمّح عبرها إلى احتمال حدوث اضطرابات في البلاد في حال فوز بايدن - وهو الإحتمال الذي ترجّحه كل استطلاعات الرأي لحد الآن - قد يدخل عملياً في إطار الآثار غير المباشرة على مجمل السياسة الخارجية التي يشكّل لبنان جزءاً أساسياً منها. فإضافة إلى أن فوز المرشّح الديمقراطي الجانح دوماً إلى خيار التسوية مع إيران، والعودة إلى الإتفاق النووي، وتركيز الصراع ومقدّراته على محاربة النفوذين الروسي والصيني المتمدد، مع ما سيحمله هذا التوجّه من هدوء نسبيّ في المنطقة، فإن القلق من رد فعل دونالد ترامب وأنصاره على خسارته الإنتخابات "في حال حدوثها" تشكّل هاجساً حقيقياً متنامياً لدى الرأي العام الأمريكي. وفي حال صدقت هذه الهواجس، ونفّذ الرئيس تهديداته المبطّنة، فقد تدخل البلاد في فوضى تمتدّ لأشهر بعد الإنتخابات، ما يمكن أن يترتّب عليه انشغال الدولة العميقة وانصرافها إلى معالجة الأزمة الداخلية.

هذا الإحتمال - الذي لا يعدّ مستبعداً بحكم المعطيات، وبحكم أداء ترامب في السنين الأربع الأخيرة - ربما ينتج عنه إهمال أمريكي نسبيّ للساحة اللبنانية مع ما يتبعه ذلك من فراغ سياسي خارجي في الداخل اللبناني قد تتمكّن فرنسا من استغلاله بخطابها الدبلوماسي "الجامع"، لتستعيد دوراً ريادياً تطمح إلى - وتعمل على - استعادته منذ ما بعد انفجار ٤ آب. وتفسّر هذه المقاربة لجوء الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في مؤتمره الصحفي الأخير حول لبنان إلى تمديد مهلة مبادرته لستة أسابيع إضافية، يهدف من خلالها عمليا إلى انتظار تحوّلات البيت الأبيض وما سيترتّب على ذلك من نتائج. كما وقد تفسر أيضاً خيار حزب الله الحفاظ على هدوئه الذي ترجمه أمينه العام من خلال خطاب يضع النقاط على الحروف، مع ابقاء باب النقاش والحوار مفتوحاً على المبادرة الفرنسية على الرغم من كلام ماكرون الحاد والعالي النبرة. ولعلّ حزب الله يفضّل أن يكون الدور الخارجي - الذي يعلم ضمناً حتمية وجوده في بلد مثل لبنان - فرنسياً متفهماً لتعقيدات الداخل اللبناني، على أن يكون أمريكياً - سعودياً راديكالياً.

انطلاقاً من كل ما سبق، وكنتيجة طبيعية لحالة الجمود السياسي اللبناني، وعدم قدرة أي طرف فرض شروطه على الآخر، يبدو أن تصريف حكومة الرئيس حسان دياب للأعمال سيستمر إلى ما بعد 3 تشرين الثاني؛ تاريخ الإنتخابات الرئاسية الأمريكية، ليعود لبنان - كما اعتاد - منتظراً لتحوّلات خارجية تنتج حلاً يعجز عن إنتاجه النظام الموّلد للأزمات المتجددة، وذلك في تكرار لسيناريو عام 2016 عندما استغلّ الداخل اللبناني غض نظر الولايات المتحدة عنه بسبب انشغالها بانتخاباتها الرئاسية آنذاك، ليتّفق على ميشال عون رئيساً للجمهورية بعد فراغ رئاسي دام لسنتين، مع فارق أن لبنان اليوم لا يملك ترف الإنتظار في ظل أزمة اقتصادية غير مسبوقة يعيش تبعاتها شعب أصبح أكثر من نصفه تحت خط الفقر.