يختلف الوضع في هذا الصراع حالياً عنه في ما كان من قبل. تحوي نيغورني كارباخ آذريين وأرمن لكن الاتحاد السوفيتي أراد لها أن تبقى ضمن آذربيجان التي كانت جزءاً من الاتحاد السوفياتي، بينما كانت أرمينيا من أوائل دول القوقاز خروجاً من الاتحاد السوفيتي. لذلك هي اعتبرت عدواً للاتحاد السوفيتي في المراحل الأولى من تفككه. هكذا بدت موسكو عشية سقوط الاتحاد السوفياتي أقرب للآذريين منها لييريفان. لكن ومع قدوم يلتسن للسلطة تبدل الوضع. أرمينيا الليبرالية، وحليفة الغرب، أصبحت صديقة موسكو الديمقراطية. وعُد هذا تغيراً في موازين القوى.

لقد أيدت موسكو بشكل أساسي أرمينيا التي قامت بتطهير عرقي بحق الآذريين في إقليم نيغورني كاراباخ طيلة المرحلة الأولى من حكم يلتسن. فتم تفريغ نصف سكان الإقليم من ذوي الأصول الآذرية، بتغطية ودعم واضح من قبل موسكو. لكن في السنوات العشرين الأخيرة جرى تحول في سياسة آذبيجان، لذلك أصبح بوتين صديقاً مع الرئيس الآذربيجاني إلهام علييف. ولم تعد باكو عدواً لروسيا.

توجت هذه المرحلة بقدوم باشينيان لرئاسة الحكومة في ييريفان عام 2018. وباشينيان هذا معادٍ لسياسات روسيا بالعموم، كما ويمكن اعتباره حليفاً للغرب، وهذا ما أدى إلى الصراع في الوقت الحاضر. إذ يأتي هذا الصراع في ظروف جديدة ومعدلة قوامها؛ باشينيان ليس حليفاً أساسياً لروسيا، وباكو ليست عدواً بالكامل لموسكو. لذا فإن منطق الصراع الدائر اليوم في القوقاز يدور – من وجهة نظر موسكو-: بين "نصف عداء ونصف أصدقاء".

لقد تحسنت العلاقات بين روسيا وآذربيحان في السنوات الأخيرة. تعتبر روسيا آذربيجان المتحضرة حالياً حليفاً أكثر من كونها قوة منافسة محتملة في جنوب القوقاز. وتريد موسكو من أرمينيا بدء نوع من التوحيد بين الدولتين. أما التحضير لهذا الظرف الذي يوجب التفاهم بين الدولتين فيحتاج لعودة المحافظات الخمسة المحيطة بإقليم ناغورني كاراباخ إلىآذربيجان، نحن هنا لا نتحدث عن الإقليم نفسه. أرمينيا احتلت محافظات خمس منذ 30 عاماً للاستفادة منها في المفاوضات كورقة ضغط لاستعادة اقليم نيغورني كاراباخ كأرض أرمينية. لكن أحداً لم يعترف بنيغورني كاراباخ كأقليم مستقل. إذ ظلت جميع الدول الإقليمية، والعالمية تعترف بالإقليم كجزء من أرض آذربيجان. لذلك انتهج بوتين سياسة إعادة الإقليم بالإضافة للمحافظات الخمسة، كنوع من الهدية للرئيس إلهام علييف ولآذربيجان، في المفاوضات.

كانت رؤية موسكو هذه هي الحاكمة على مسار المفاوضات طيلة العقدين الأخيرين. الرئيس السابق لأرمينيا وافق على طرح موسكو، لكن باشينيان ومع قدومه إلى السلطة نقض الاتفاق ورفض إعادة المحافظات الخمسة. وهذا ما وضع بوتين في موقف محرج مع آذربيجان.

اليوم، يبدو أن بوتين لا يمانع الهجوم الآذربيجاني، فهو لم يساعد أرمينيا في القتال نتيجة سياسة باشينيان توجهاته الجديدة. أما "أسياده الأميركان" فهم لم يريدوا لروسيا التدخل أو التأثير على أرمينيا. لذلك تحاول روسيا اتخاذ موقف حيادي، وتبدو في حقيقة الأمر أكثر ميلاً إلى جانب باكو في هذا الصراع.

وعليه، لا أعتقد لأن تركيا ستقدم على المشاركة في الصراع بسبب العلاقات الجيدة بين بوتين وأردوغان، وباستثناء ليبيا وسوريا، لا يبدو أن الرجلين مختلفين في الكثير من الأمور. يحاول بوتين المحافظة على التوازن في العلاقة مع الرئيس التركي، وأنقرة تعلم ذلك جيداً، لذا، هي لن تشارك في الحرب الدائرة بشكل مباشر. أما آذربيجان، فهي تريد على الأقل استعادة بعض الأراضي من نيغورني كاراباخ لأن باشينيان رفض إعادة أي ارض حتى ولو كانت غير مأهولة من الإقليم أو محيطه. هذا ما اعتبره إلهام علييف أمراً زائداً عن حده. وهذا ما يُفسر اتجاهه نحو الغزو واستعمال القوة لاستعادة بعض الأراضي. من هنا تفهم موسكو أن باكو قد أخلّت بالاستقرار، وهذا صحيح، إلا أن هذا لم يكن يخالف التوجه الروسي بشكل كبير. باشينيان هو المسؤول عن عدم إعادة المحافظات الخمسة، وهو المسؤول عما وصلت إليه الأمور. حسناً، سيدفع ثمن الوقوف في وجه السياسة الروسية بشكل عام، تقول موسكو.

تركيا والصراع في جنوب القوقاز:

في كتابي "أسس الجيوبوليتيك" المكتوب في بداية التسعينات، قمت بمراجعة الجيوبوليتيك التركي مع انهيار الاتحاد السوفياتي. إذ لعبت أنقرة آنذاك دوراً سلبياً في الأقاليم ذات الحضور التركي ضمن المجال السوفياتي، بتعاون كامل مع الناتو وجهاز الاستخبارات الأمريكية CIA. وكان فهمي لأنقرة مبنياً على توازن القوى في التسعينات. أما اليوم فقد تغيرت الأمور بنحو كبير. ولقد قمت بمراجعة كاملة لموقفي تجاه تركيا. لقد تحررت تركيا بشكل كامل من سيطرة نظام العولمة. وأصبحت أكثر تحرراً، يوماً بعد يوم، من سطوة الناتو والولايات المتحدة. وهذا غير كل شيء. أنا الآن من أنصار التحالف الروسي - التركي في الأوراسيا. ولا أظن أن تركيا ستكون في الحاضر كبش محرقة، بل يجب دعمها لتخرج بشكل كامل من تحالف الناتو، وهذا ما تعمل روسيا بموجبه. لا أظن أن تركيا ستلعب دوراً مهماً في هجوم آذربيحان على نيغورني كاراباخ. أردوغان يريد تعزيز قوته ومكانته في الداخل التركي، وهو لن يتدخل مباشرةً في الصراع. صحيح، هو يعطي كامل الدعم السياسي والمعنوي للرئيس الآذربيجاني، لكنه يستبعد التدخل في المعركة لأنه يعتبر القوقاز شأناً روسياً بشكل أساسي. وأردوغان يحترم هذه التقسيمات الجيوبوليتيكية للقوة، كما في شمال سوريا وليبيا.

بالنسبة لتركيا، التحالف مع روسيا ليس الخيار الأفضل، لكنه أفضل من التحالف من الغرب وألمانيا. بوتين وأردوغان لديهم نفس الهدف، وهو التخلص من تيار العولمة الغربي، تمهيداً لبناء عالم متعدد الأقطاب. وبطبيعة الحال بناء عالم مستقر ومتناغم. لذلك أعتقد أن تحالفاً روسياً - تركياً مبني على تفاهم متبادل سيصب في صالح آذربيجان، ولا أظن أن الحرب ستؤدي إلى صراع روسي تركي.

الوضع الحالي:

يمكن للصراع بين أرمينيا وآذربيجان أن ينتهي في الوضع الحالي. شخصياً، كنت ضد أي نوع من العنف، لقد دافعت عن الوضع الراهن، وكنت أؤيد نزع السلاح وعودة المناطق الخمس حول كاراباخ إلى آذربيجان كدليل على حسن النية من قبَل أرمينيا من أجل إنشاء خارطة طريق تهيئُ الوضع لبدء هذه العملية السياسية.  لقد دافعت بشدة عن محاولة المصالحة بين ييريفان وباكو، وألا يتصاعد النزاع بين الطرفين. ولكن ومع بدء النزاع الحالي أصبح من المستحيل العودة إلى الوراء. ومع الموقف الراديكالي المتشدد لباشينيان بعدم إعادة المناطق الخمس إلى أذربيجان وصل الأمر إلى حائط مسدود.

لقد وُضِع بوتين في موقف حرج للغاية بسبب هذا الموقف الصعب من باشينيان في وجه علييف، ولم يعد بإمكان علييف طلب وساطة بوتين، لأن بوتين أوقف تدخله السياسي السابق لمنع إعادة السلطة الآذربيجانية على كاراباخ بالقوة. بوتين استخدم ذات مرة  الفيتو غير الرسمي الخاص به لدى باكو، لكنه لم يتمكن من تكرار ذلك للمرة الثانية ووقْف هذا الصراع. على الدوام كان شرط بوتين لمنع باكو من التدخل في كاراباخ إعادة المناطق الخمس، شيء تعويضي لباكو. لكن رفض باشينيان القيام بذلك فجّر الصراع.

اليوم بات الحل العسكري الورقة الوحيدة المطروحة على الطاولة. يمكن للجيش الآذربيجاني تحرير أو فرض السيطرة على الطريق المؤدي إلى نيغروني كاراباخ. لقد حصل الأرمن على كل ما في وسعهم نظرياً وعملياً في المرحلة السابقة من الحرب. هم احتلوا كاراباخ بأكملها، مع سبع مناطق حولها؛ خمسة منها كان يمكن رلهم أن يُعيدوها بسهولة. هم أخذوا هذه المناطق لاستبدالها بالاعتراف بنيغورني كاراباخ كدولة أرمينية عرقية، إضافة إلى منطقتين ضروريتين لتوفير الاتصال المباشر مع أرمينيا وتأمين نوع من الاستقلال للإقليم، لكنهم أداروا المفاوضات بطريقة سيئة. هم رفضوا اعتبار المناطق الخمس مناطق إضافية، وليست ضرورية لأرمينيا فبات الاعتراف بها الآن أمراً غير ممكن. هم قاموا بتطهير عرقي وقتل ونفي جماعي للعناصر العرقية الآذربيجانية من نيغورن كاراباخ، حتى صارت المنطقة "صافية عرقياً". لم نتمكن من تحديد من كان مخطئاً بالضبط من كان على حق قبل 30 عاماً عندما بدأ التطهير العرقي، حتى صار لدينا سكان من عرق واحد فقط في الإقليم ومئات الآلاف من المنفيين على أسس عرقية في ظل وضع غير طبيعي وغياب تام للوضع القانوني لهذا الكيان في كاراباخ.

يجب إيجاد الحل. الآن لا يستطيع الأرمن الحصول على أكثر مما لديهم، ولا يمكنهم أن يأملوا في الحصول على اعتراف سياسي دون السماح للأذريين بالعودة، لكن هذه العودة ستُغير التوازن على الفور. ليس لدى نيغورني كاراباخ مستقبل قانوني ولا مستقبل سياسي ولا مستقبل اقتصادي ما لم تتدخل روسيا وتلعب دور الوسيط. مع روسيا فقط يمكنهم حل الأزمة بطريقة ما في المستقبل بعيداً عن العنف، وبعيداً عن موسكو لن يربح الأرمن ونيغورني كاراباخ شيئاً على الإطلاق. بل على العكس، يمكن لآذربيجان أن تكسب شيئاً ما في هذه الحالة. يمكنها على الأقل تغيير مناطق السيطرة على الأقل في المناطق الخمس حول نيغورني كاراباخ، وربما تثبيت السيطرة على أجزاء من نيغورني كارابخ حتى تتمكن أذربيجان من الفوز بشيء ما، في ظل عدم قدرة أرمينيا الفوز بشيء. هذا هو مكمن الاختلاف، وروسيا ليست في عجلة من أمرها لمساعدة الأرمن بسبب باشينيان أولاً وقبل كل شيء، وبسبب صداقة بوتين مع إلهام علييف الذي اتبع سياسة لم تعد معادية لروسيا. آذربيجان اليوم صديقة لروسيا، لذا أعتقد أن الحل الوحيد سيكون محصوراً باحتمالين، فإما أننا نريد أو لا نريد إعادة التوازن إلى مناطق نيغورني كاراباخ لصالح آذربيجان. هذا هو الحل المنطقي الوحيد قبل كل شيء. روسيا لا ترغب في التدخل لصالح الجانب الأرميني، لكن عوامل عدة يمكن أن تلعب دوراً في تغير الوضع. على سبيل المثال، قد يُلزم التدخل الصريح لتركيا في الحرب، قيام بوتين بمساعدة الأرمن وتغيير التوازن. أما إذا بقيت تركيا جانباً، فأعتقد أن الحل الوحيد يكمن في استعادة بعض أراضي نيغورني كاراباخ والمناطق المحيطة بها من قبل الآذريين.

الأرمن يسيطرون الآن على المنطقة بناءً على التطهير العرقي، وآذربيجان تعمل لاستعادة المسار السياسي، وكامل أراضي نيغورني كاراباخ. أمام هذا الحال سيكون الآذر مضطرين لفعل الشيء نفسه مع السكان الأرمن. إلا أن شخصاً لن يتسامح مع ذلك، لقد ارتكب الأرمن إبادة جماعية بحق الآذريين في المرحلة السابقة، والآن يريد الآذريون بطريقة ما، وبمنطق علاقاتهم مع الأعراق في القوقاز، فعل الشيء نفسه مع أرمينيا. وهذا أمر غير مقبول على الإطلاق بالنسبة لبوتين، ولأي شخص آخر أو دولة أخرى، بما في ذلك إيران. إذ سيخلق هذا الأمر مشكلة جديدة. لذلك يستطيع الجيش الأذربيجاني تحقيق بعض المكاسب من أراضي جديدة، ولكن دون نفي الأرمن أو الاخلال بالتوازن الديمغرافي. إذ سيؤدي ذلك كله إلى أعمال عنف وقتل واضطهاد متبادل وغير ضروري، كما سيؤدي لولادة قضية عرقية جديدة. كيف نتجنب ذلك؟ ليس لدي أي فكرة، لكن مع ذلك يمكنني القول إن الشيء الوحيد الذي يمكن أن يحصل عليه الأرمن هو جعل الوضع أسوأ بالنسبة لهم، إذ لدى الآذريين اليوم فرصة لتحسين وضعهم السياسي. 

إذا بقيت تركيا بعيدة عن الصراع، فإن لآذربيجان الحرية في استعادة أراضيها تقول موسكو. أما بحال شهدت المعركة تدخلاً تركياً، فسوف تكون روسيا مضطرة للتدخل وسيؤدي ذلك إلى تحويل الصراع الإقليمي إلى شيء أكثر خطورة. لذلك آمل أن يكون أردوغان ذكي بما يكفي للحفاظ على هذه القاعدة – اللعبة. ومع ذلك ما زلت أعرف أنه لا يوجد حل إيجابي للقضية.

باختصار، الوضع مأساوي، هذا الصراع يجمع الموقف العام الروسي. روسيا تطوَّق. لدينا صراعات في بيلاروسيا الآن، ولدينا صراع في القوقاز الجنوبية. في كل جزء نتعرض لهجوم بطريقة أو بأخرى، وفي جميع الحالات هناك تدخل غربي مباشر أو غير مباشر، بالنحو الذي حصل في أوكرانيا. روسيا تتعرض للهجوم.  إنه موقف صعب ومع ذلك أعتقد أننا لا نستطيع أن نرى في هذا الصراع كصراع بين الأخيار والأشرار، يجب أن ننظر في هذا الصراع بطريقة أكثر تعقيداً وتوازناً، وأكثر تشريحاً. لا يوجد معتدون وضحايا لأن طرفاً ارتكب بالفعل الإبادة الجماعية والآخر سيفعل الشيء نفسه. لذا ينبغي أن نوسع النطاق الذي نرى فيه الإبادات الجماعية. الأتراك فعلوها في الأرمن من قبل، الأرمن فعلوها في الآذربيجانيين. الفظائع ارتكبتها كل الأطراف ضد بعضها البعض، هذه قصة حزينة للغاية عن العلاقة بين الأعراق في العالم. وفي القوقاز وشرقي الأناضول، هي قصة مرتبطة بالجانب الدموي من التاريخ. لذلك لا أرى أي جانب إيجابي للصراع، ومن الجيد أن ينتهي بسرعة.