الثورة معضلة. هي لا تُقرأ من خارجها. هذا ربما ما يفسر عجز الأكاديميا عن التنبؤ بلحظتها غالباً. في الثورة تطوّر كيفيّ، تحوّل لا يمكن فهمه بالمؤشرات ولا بالإحصاءات. و17 تشرين كانت ثورة من مثل هذا النحو. وقد يختلف البعض في وصفها؛ ثورة، انتفاضة، هبة شعبية، حالة غضب، أو غيرها من الصفات. إلا أنها وللحق ثورة؛ لا بحجمها، ولا بنتائجها الراهنة، بل بما عبّرت عنه. إننا وللمرة الأولى منذ قيام هذا الكيان نقف عند "لحظة مختلفة" في تاريخه. لقد أراد الناس القول لا، والـ"لا" هذه ليست ابنة لحظتها، ولا ابنة ما وصلنا إليه من انهيار اقتصادي فحسب. لقد أراد الناس رفض ما انعقدت عليه السياسة في المجتمع اللبناني. 17 تشرين كانت تعبيراً صارخاً عن خلل أصاب عمق هذا النظام في توازنه الداخلي والخارجي. وللمرة الأولى في لبنان، ربما، شعرنا بأن الناس تريد القول؛ لم يعد الوضع القائم هذا قادراً على التعبير عنا.

الثورة معضلة، وهي لا تُقرأ من خارجها. لذا أجد نفسي منحازاً لقراءة الحدث من داخله، ومن خلال تجربتي فيه. ما زلت أذكر تلك الليلة جيداً. كنا ورفيقي، والذي سيصبح مدير تحرير هذه الصحيفة، مع صديقنا السوري من أوائل المشاركين. كانت 17 تشرين ليلة مختلفة عن ليالي بيروت. لقد أضاء الفقراء الشوارع بالنار والغضب. كبركان لا يُروّض كان غضبهم. لقد أشعل الشباب ليلتها كل ما وجدوه قابلاً للحرق؛ حاويات النفايات، ألواح الخشب التي تَستُر مباني الحرب، أوراق شركات التأمين والمصارف، "أحذية البوما" أو نرجسية الطبقة الحاكمة (لا فرق)، وقبل كل شيء هيبة الدولة.

عرّت تلك الليلة بيروت. حتماً هي لم تكن مدبرة. لقد فاجأ الناس الجميع ورسموا، منذ اللحظة الأولى، معادلة غاية في البساطة: للدولة أبنيتها. للسياسة قنواتها وزواريبها، ولنا "نحن الفقراء – الشعب" الشارع والأرض. رجال مكافحة الشغب والقوى الأمنية التي منعت الناس من اقتحام القصر الحكومي كانت تعبيراً  ماثلاً عن القسمة التي أصابت الدولة. من جهة تقف السلطة بمؤسساتها المضاءة 24/24، ومن جهة أخرى تقف الناس في العتمة مضيئة الشوارع بالنار والغضب. هذا كان حال لبنان مساء 17 تشرين الأول 2019.

أذكر جيداً عودتنا إلى "مقهى الشارع" الذي نرتاده وأصدقائي فجر اليوم التالي. كنا فرحين وقلقين في آن: هل ابتدأ المشهد في سوريا قبل ثماني سنوات بمثل هذا النحو؟ سألت صديقي السوري. "سوريا مختلفة دائماً وأبداً" أجابني. إلى أين سيفضي بنا كل هذا الغضب؟ ما التالي؟ من هم آباء هذه الثورة ومن هم خصومها؟ عما تعبر؟ كان سؤال الأصدقاء آنذاك، وهي الأسئلة التي لا تزال معلقة إلى اليوم.

ما أريد قوله أن الثورة بأسئلتها الملحة كانت حاضرة في عقول كثير من المشاركين منذ اللحظة الأولى لاندلاع شرارة 17 تشرين. لكن هذه الأسئلة – وللأسف - ما زالت مُعلقة ورهينة الإجابة إلى اليوم. هل يكفي اهتزاز بنية المنظومة الحاكمة أو تضعضع صيغة العلاقة الحاكمة في ما بينها لنجاحنا؟. ماذا لو سقط "النظام" ولم نأتِ بالبديل؟ ماذا لو لم يسقط "النظام"؟ ما هو البديل في كلتا الحالتين؟. إن عناوين الدولة المدنية، والمجتمع المدني في مجتمع أُسس على علاقة تعاقدية طائفية منذ العام 1860، وعرف حرباً أهلية لمدة خمسة عشر عاماً لتثبيت توازن القوى الطائفية فيه أمر فيه الكثير من الرغبوية في التفكير/ wish full thinking. ما هو السبيل إلى الدولة المدنية؟ كيف نقنع الناس بها؟ ما هي وجهة هذه الدولة؟ وما هو موقعها من محيطها؟، ومن النار الملتهبة يمنة ويسرة على امتداد الشرق الأوسط؟. إن إغفال السؤال السياسي عن الثورة فيه نوع من التعامي غير محمود العواقب، كما أن إغفال السؤال الاقتصادي لحساب السياسة فيه نوع من التلاعب على آلام الناس. وهذه معضلة لا مفر من التفكير بها.

بعيداً أيضاً عن الذاكرة الرغبوية أو الانتقائية لدى الكثيرين، لازلت أذكر جيداً يومي 18 و19 تشرين. يوم نزلنا إلى الشارع بنفس العزم والزخم. هذه المرة لم تكن الشرائح الغاضبة من الفقراء فقط. كان الطلبة الجامعيون موجودين، وأبناء الطبقة الوسطى على اختلاف توجهاتهم وانتماءاتهم السياسية، لكن خطباً ما كان بادياً بشكل جلي. ثمة "جماعات" غير مرحبة بوجودنا؛ نعم وجودنا، نحن المؤيدين للمقاومة (الإسلامية تحديداً). كثرت المشاكل في ذلك اليومين. مجموعات اعترضت علينا لحرقنا العلم الإسرائيلي؛ ما شأن "أسرائيل" وشأننا؟ سألني أحدهم. كانت هتافاتنا ضد المصرف المركزي، وصندوق النقد، و"إسرائيل" تقاطع بهتافات "كلن يعني كلن" و"سلمية سلمية" باعتبارهما عنوانين "غير سياسيين". مرة جديدة، ولمن خانته الذاكرة، أو استحكمت به "ذاكرة انتقائية"، تولت هذه المجموعات إدارة "إعلاميات الشارع" بمكبرات صوت وإمكانات لا قدرة لنا بها. كان لحزب سبعة منصتان أساسيّتان (عند العازارية، وفي ساحة الشهداء) مهمتهما بث الأغاني وشعار "كلن يعني كلن" 24/24. هكذا بتنا نحن "أبناء ليلة 17 تشرين" بين صورتين؛ السلطة بقصورها الحكومية ومؤسساتها المضاءة بكهرباء "اقتصاديات النفط" وأهازيج "كلن يعني كلن" و"ممنوع السياسة في الثورة"، كعنوانين يلتفان على الواقع ويستهدفان قناعاتنا.

 

أوليغارشيات كبرى في مواجهة أوليغارشيات صغرى:

درج المتظاهرون وصف السلطة القائمة بالأوليغارشيا، وهو توصيف دقيق نوعاً ما، في إشارة لشبكة المصالح والامتيازات التي ورثتها الأقلية الحاكمة في لبنان طيلة عقود، وربما قرون. لكن ما غفل عنه الكثيرون، وأغفله الإعلام، هو "الأليغارشيات الصغرى" التي نمت فوق آلام الناس وتحت عنوان الثورة. إن شبكة المصالح المتداخلة بين الإعلام، المجتمع المدني، أبناء "التعليم الرفيع" في لبنان، جعلت من شخصيات إعلامية معروفة بزبائنيتها لدى الطبقة الحاكمة رموزاً ثورية توجه، وتؤثر بعموم شرائح المتظاهرين ممن لا صوت لهم. تخيلوا مارسيل غانم مثلاً (صديق الطبقة الفاسدة بتلاوينها المختلفة)، بولا يعقوبيان (ربيبة رئيس جمعية المصارف) ديما صادق (صديقة الحريري الإبن، وحشد غفير من السياسيين الفاسدين) صاروا رموزاً ثورية؛ يوجهون الفقراء، يحكون باسمهم، يهاجمون، يفاوضون، ويحددون السقف السياسي للثورة.

إن مشكلة المجتمع المدني في لبنان تتجاوز مسألة الدعم المالي. يحاول البعض القول أن في لبنان مجتمعاً مدنياً مخترق أميركياً أو قطرياً، أو ألمانياً (وكأن الاختراق هذا من غير طبيعته أو نسيجه). هذا غير صحيح. لا وجود لمجتمع لمدني مستقل في لبنان أصلاً. إن أغلب الجمعيات التي تأخذ من هذا العنوان وصفاً لهويتها مرتبطة عضوياً بجماعات مصالح إعلامية – سياسية مالية – مصرفية لبنانية. والأخيرة كلها مرتبطة بمصالح ضاربة الجذور بالخارج، وبالطبقة الحاكمة على المستوى السياسي. وهذه معضلة أخرى. ربما تنجو بعض الجمعيات/ الأحزاب من هذه المقتلة؛ كحركة مواطنون ومواطنات، وبعض الجماعات المنشقة عن الحزب السوري القومي الاجتماعي، أو بعض الشيوعيين ومن يدور بفلكهم، (نعم بعض هؤلاء يطابقون مواصفات المجتمع المدني أكثر من كونهم حركات سياسية) لكن مقتلة هؤلاء جميعهم في أنهم يولون أهداف أجندتهم السياسية الخاصة الأولوية على حساب الأجندة الوطنية العامة. وإلا ما معنى ألا يجتمع جل هؤلاء على أجندة وطنية جامعة ومشتركة بعد أكثر من عام على الثورة؟ ما هو وجه الاختلاف الذي يمنع أسامة سعد، وحنا غريب، وشربل نحاس، ونجاح واكيم وغيرهم الكثير من الوطنيين، إعلان برنامج عمل مشترك، يرفض التدخل الأميركي والخليجي في لبنان وينتصر للفقراء من أبناء الطبقة المسحوقة؟ الحقيقة جارحة، لكن الواقع أكثر إيلاماً.

 

الثورة كمجال للاختلاف:

دأب "عزمي بشارة وأخوته" منذ عام 2011 إلى اليوم، تصوير الثورات العربية على أنها "ثورة في وجه سلطة". وبغض النظر عن مغالطة الحديث عن السلطة ككيان واحد ناجز الهوية في واقعنا العربي، فإن الحديث عن الثورة باعتبارها كتلة تاريخية واحدة تتطلع لهدف واحد عام (الدولة المدنية بحسب عزمي ورفاقه) فيه الكثير من المغالطة. ليست الثورة كياناً حزبياً ولا قوة سياسية – اجتماعية واحدة. كما أن من غير الصحيح التعبير عن الثورة باعتبارها انقطاعاً عما سلف (وهذا نتاج أدبيات ما بعد الحداثة الانقطاعية). لا، الثورة امتداد لما سلف. استكمال للسياسة بلغة أخرى. استئناف لصراعات المجتمع السابقة بأدبيات أخرى. لا تبني الثورة وعياً جديداً بقدر ما تعبر عن وعي سابق "مكتوم القيد" وجد في الشارع مجاله للتعبير. الثورة لا تُعرض عن المسائل السياسية الآنفة، هي تعبر عنها بمنطقها الخاص. في الحالة اللبنانية، جاءت الثورة مختلفة المنطلقات ومتضاربة المقاصد منذ يومها الأول. ثمة من وجد في الثورة انقلاباً على انتصارات حزب الله الإقليمية، فتخيل في 17 تشرين فرصته الانقلابية الناعمة. ثمة من وجد في الثورة اقتصاصاً من رئاسة الجمهورية ومطالبة المسيحيين بحصتهم المغيبة ما بعد اتفاق الطائف. ثمة من وجد في الثورة فرصته للانقضاض على القطاع المصرفي وتقليم أظافره. جنبلاط نفسه، اعتبر الثورة في أيامها الأولى "7 أيار" اقتصادي. "جماعة قطر والإمارات"، وما أكثرهم، وجدوا في رئيس الجمهورية الحلقة الأضعف التي يمكن من خلالها كشف "الغطاء" عن حزب الله وطنياً، ومحاصرته كاقتصاص منه لدوره الإقليمي. هذه المسائل كان من المفروض أن تُطرح منذ اليوم الأول "على بساط أحمدي" إجلاءً لمآلات الثورة ومرادها. لكن الثورة معضلة نقول من جديد.

 

يبقى الفقراء وجه الثورة الحقيقي:

في الذكرى السنوية للثورة اللبنانية، أطلقت صحيفة اللوريون لوجور لائحة بأسماء أربعة عشر وجه من الوجوه الأكثر تأثيراً في الثورة في الذكرى الأولى على انطلاقتها. لم تضم اللائحة أياً من أسماء الفقراء كما لم تحتوي اسم أيٍّ من "شباب الخيَم" الذين رابطوا طيلة سنة تقريباً في الساحات. "الثورة شيء، وصورتها شيئ آخر"، هذه هي الحقيقة التي بتنا نواجهها اليوم. ثمة من يريد أن يعيد تشكيل صورنا عن أنفسنا. ثمة من يريد أن يبيعنا "كاتالوغاً" ثورياً ناجز المواصفات وعابراً للحدود. للبنان خاصيته، ومسؤوليتنا تجاه لبنان ستبقى في السعي لمواجهة الفساد ومنع ارتهانه لأميركا و"اسرائيل". من هنا، ترى الخندق أن من واجبها الدعوة لإعادة إطلاق برنامج سياسي ثوري، يعيد تنظيم عمل الثوريين الحقيقيين في مجتمع مدني مقاوم غير مرتهن للمال ومصادره، برنامج عمل سياسي قوامه: رفض التبعية للرأسمالية الغربية، عدم الارتهان لقروض صندوق النقد، ومواجهة الفساد. وهي دعوة مفتوحة برسم كل الأصدقاء، والمحبين المختلفين عنا اليوم، انقاذاً للبنان ودفاعاً عن الفقراء والمحرومين فيه.