في النصف الأول من القرن العشرين، كان وجود التكنولوجيا متاحاً مما عزز أهمية مواقع معينة في الولايات المتحدة؛ كان لهذه المواقع غالباً احتكاراً معيناً للتكنولوجيا. على سبيل المثال، تكنولوجيا صناعية معينة. ولكن بعد السبعينيات، مع انطلاق نظام اقتصادي عالمي جديد، تغير معنى "الإتاحة" بسبب الظاهرة المتصاعدة لنقل التكنولوجيا. نقل التكنولوجيا جعلها متاحة لمن يدفع أكثر، وهذا يعني البلدان الخارجية. وكان الموقع التاريخي أقل أهمية.

نعرف من الأعمال التي أنجزها الاقتصاديون أن نقل التكنولوجيا كان وما زال رسمياً تحت يد الحكومة. وكان هذا هو الحال لسنوات كثيرة. ولكن كما لاحظ كثيررون، خلال السبعينيات والثمانينيات، بدا أن السياسات القائمة قد توقفت. وفي ذلك الوقت تخلت الحكومة عن دعمها وحمايتها لقطاعات من الاقتصاد كانت البلاد رائدة فيها على مستوى العالم، وتعمل بما يتناقض مع نظرية المنفعة الحدية (نظرية تحدد الفائدة أو الخسارة المنتظرة للسلعة أو الخدمة نتيجة زيادة الاستهلاك أو تراجعه) إن لم يكن ضد المصالح الاسراتيجية القومية، ويحدث ذلك حتى رغم أن نقود دافعي الضرائب دفعت نفقات البحث الأولي، وبذلك فهي تعمل ضد الصالح العام. ورأى البعض أن الحكومة تحاول الظهور بمظهر اللامبالاة نحو ما خسرته البلاد، وأن هناك بعداً سياسياً، ولكنه لم يحدث أن ألقي عليه الضوء. وأيا كان ما يحدث، فقد كان يجري تفسيره دائماً من الناحية الاقتصادية، وكان هذا التفسير لإخفاء ما يمكن أن نفترض أنه حقيقة السياسات الريجانية.

وعلى أية حال، فإن تخلي الحكومة عن التقدم الاقتصادي وإغفالها له لم يمر مرور الكرام. فنحن نجد احتجاجات واسعة، في الكونغرس، وفي وسائل الإعلام وعلى مستوى حكام الولايات والعمد. وبدا أنه لا أهمية على الإطلاق، سواء في رقائق الكومبيوتر، أو إطارات السيارات، أو تكنولوجيا الطائرات الحربية، أو الهندسية الوراثية، أو غير ذلك من المجالات الحساسة للتكنولوجيا. وبيعت هذه القطاعات واحداً تلو الآخر، لبلدان أجنبية. فأي شيء آخر كان على ملاكها أن يفعلوا؟ كيف تستطيع منتجات جديدة مرتفعة الثمن أن تجلب أرباحاً دون دعم وحماية؟ دلفع الرؤساء واحداً بعد الآخر عن السياسة الجديدة، زاعمين، في الغالب على نحو تهكمي بأن كل منتجي البضائع أرادوا تسجيل منتجاتهم باعتبارها حساسة بالنسبة للدفاع القومي ومستحقة للحماية. أما الحاجة الحقيقية باعتبار توازنات التجارة، فهي تشجيع الاستثمار الأجنبي بالاستمرار في فتح الأسواق وعدم الوقوف أمام حيازة الأجانب أو إثارة الجلبة والشوشرة حول الأحزمة الصدئة.

هذه الطريقة في الكلام لا تدع لنا إلا ما يمكن أن نسميه مفارقة ثورة ريجان وسياساتها. كيف يمكن أن تكون معادية تماماً للشيوعية خطابياً، وفي نفس الوقت مفتوحة تماماً للأنظمة السيوعية اقتصادياً؟. هذه الحقيقة تظل بكل أسف  مجرد مفارقة. فما نعرفه بدون أي لبس هو أن التحول في الثمانينيات من ثقافة المركز الأميركي التاريخي إلى لاعب مشاكس في عالم من العلاقات متعددة الأطراف كانت له فوائد ليس فقط لكوريا الجنوبية والعربية السعودية، ولكن لأنظمة أخرى أيضاً، والمفارقة أن هذه الأنظمة تشمل أكبر أعداء الولايات المتحدة، أي الاتحاد السوفياتي والصين. ولكن تظل الكيفية التي تحولت بها الأمور إلى هذا الحال مجرد مسألة عرضة للتخمين. وقدم الرئيس ريجان أحدث التكنولوجيات لكثير من الأنظمة اليمينية، بهدف اكتساب حلفاء من الخارج لحملته الصليبية. وكان ذلك يعني ليس فقط الدعم في الحرب الباردة، ولكن كحافز إضافي. وكان ذلك يعني أيضاً أن رجال الصناعة الأميركيين يحرزون إمكانية إمكانية فتح أسواق عمالة جديدة، وبشكل عم، أسواق غير نقابية. فهل كان يسوء ريجان حقاً أن مثل هذه التكنولوجيا سوف ينتهي بها الحال لإعادة بيعها إلى الاتحاد السوفياتي؟ الحق علينا أن نتساءل عن هذه النقطة، ونتساءل أيضاً عما كان يعنيه بمعاداة الشيوعية. هل يمكن أن ريجان شجع نقل التكنولوجيا الصناعية لأنه (أو ربما لأن نانسي ريجان) لم يكن يريد أن يرى أميركا ذات قاعدة نقابية؟ هل هو بعث جديد للروح الانقسامية؟

لم يفت معاصري ريجان، حتى أولئك الذي في دائرته نفسها، أن هذه التناقضات داخل هذا التوجه الذي يتخذ مظهراً انعزالياً، قد تحولت إلى نوع عنيف وعدواني من سياسة تعدد الأطراف. في فصل من كتاب مشترك لعدد من المؤلفين، نُشر في الثمانينيات، كتب ريتشارد بيرل، الذي كان حينئذ عضواً في المعهد الأميركي للمشروعات، معبراً عن قلقه لأن التكنولوجيا العربية كانت تستخدم في أكثر من خمسة آلاف تجربة بحثية عسكرية سوفياتية في سنة واحدة فقط. ورغم أن بيرل اهتم خاصة بالاتجاد الوفياتي، فربما كان ينبغي أيضاً أن يذكر كيف أن هذه التكنولوجيا كانت تذهب إلى كل مكان. وبعذ هذا النقل كان محظوراً وفقاً لقوانين الولايات المتحدة القائمة، والبعض لم يكن، وكان يتم إخراجها باعتبارها تكنولوجيا ذات استخدام مزدوج، أو كان يتم تهريبها خروجاً ودخولاً.

وعلى أية حال، كان التهريب يتصاعد بلا ريب. أصبح مهربو التكنولوجيا السوفييت مشهورين في نيويورك، ولم يكونوا وحدهم أبداً، رغم أنهم ربما كانوا الأكثر مهارة. وفي رأي بيرل؛ إن الولايات المتحدة بهذه الطريقة، ربما عن غير قصد، توفر المليارات من نفقات البحث السوفياتية لو كان عليهم تطوير هذه التكنولوجيا بأنفسهم.ويعطي بيرل أمثلة من صواريخ جو-جو وتكنولوجيا مكوك الفضاء، وأنظمة الكمبيوتر، والتي استولى عليها جميعاً السوفييت. وزعم بيرل أن زيلينوغراد كانت عاصمة الإلكترونيات الدقيقة في العالم الشيوعي. وإن لم تكن موجودة، لكانت أرخص بالنسبة لجيش الولايات المتحدة.

وفي فصل آخر من نفس الكتاب، اعتبر ويليام شنايدر "جونيور" أن سياسات الثمانينيات نحو نقل التكنولوجيا كانت تدل على التحول عن ممارسة فترة السبعينيات، وكانت السياسة تجاه جمهورية الصين الشعبية حول تكنولوجيا الصواريخ قضية ذات مغزى. ورأى شنايدر أن هذه السياسة أصبحت في الناية أكثر تنسيقاً، ودخلت فيها دول كثيرة، بفضل إنشاء اللجنة التنسيقية متعددة الأطراف لضوابط التصدير.

فهل كانت الحرب الباردة الخطابية التي شنها ريجان مجرد غطاء يتيح له إسقاط تايوان والسعي بإمكانات تجارية مع الصين؟. هذا مجرد تخمين ولكن فلنفكر في حقيقة أنه رغم أن تعديل جاكسون-فانيك على قانون التجارة لعام 1974 يعوّق البلدان الشيوعية من الحصول على مكانة الدولة الأولى بالرعاية، فإن الرئيس بموافقة الكونجرس، كان يمنح الصين باستمرار تنازلاً يلف هذا التعديلن وكان ريجان يوقع هذه التنازلات، كما فعل كل رئيس آخر. فهل هي معارة من اللوبي الصيني في البلاد في العمل من ولاية إلى أخرى، ما جعله يغلب اللوبي التايواني أو جزءاً آخر من تطور العلاقات متعددة الأطراف؟ من الصعب أن نعرف.

ما نعرفه أن سياق ثورة ريجان، بما شملته من خلط رأسمالية السوق الحرة ومعاداة النقابية، أدى إلى فقدان ديترويت لصناعة السيارات مبكراً منذ بداية الثمانينيات وبنهايتها، وبنهاية نفس العقد، فقدت بيتسبرج إنتاجها من الصلب. كان معنى هذه الخسائر من جانب التغير الاجتماعي موضوعاً لمعظم التحقيقات الصحفية وكذلك بعض الدراسات الأكاديمية. فوفقاً لعمل أكاديمي حديث حول موضوع تفكيك التصنيع في بيتسبرج، من تأليف ديل هاثاواي، كانت النتائج لتلك المدينة كارثية مجتمعياً، وكأنما عانت البلاد من هزيمة حربية.

وفي سياق البحث، قام هاثاواي عام 1986 بإجراء مقابلة مع أحد الاقتصاديين في بنك ميلون، في بيتسبرج، والذي اعتذر عن استخدام الأطراف أو جناح المحافظية الجديدة لثورة ريجان. وأنا أعيد صياغة ما اقتبسه هاثاواي من ملاحظات هذا الاقتصادي بالتفصيل، فقد صرح قائلاً: إنك لا تستطيع أن تحارب الاقتصاد العالمي. ثمة تهديد لمستوى معيشتنا المرتفع بسبب الأجور المنخفضة في بلاد أخرى. وقد كانت صناعة الصلب تتدهور منذ وقت طويل في بيتسبرج، وأحد العوامل هو اتجاه النقابات الهجومي المضاد للإدارة. ومن وجهة نظر اقتصادي بنكي، من المحتمل أن يحدث ما يلي. سيكون من الضروري إحداث بطالة مرتفعة للتعامل مع النقابات. وسوف تؤدي البطالة المرتفعة إلى خلق بيئة تستحيل فيها المطالبة بأجور مرتفعة. وسوف يستغرق هذا بعض الوقت ويتطلب تقليل عدد سكان الوادي... فبعد أجيال عدة من العمل في المصانع، تولد لدى العمال شعور بالاستقرار والتآلف مع المجتمع، وارتفعت دخولهم، مما جعلهم ينسون نضالات أسلافهم وحياتهم الصعبة. ولقد آن الأوان أن يدركوا ذلك من جديد.

ستكون كوريا الجنوبية المصدر الجديد للصلب، وسوف يوافق الكونجرس على ذلك، وسوف يوفر الرئيس التمويل اللازم لإعادة التدريب على وظائف على نفقة الحكومة. إن أميركا تتغير. إن صعود أهل النفوذ.

كان لتآكل القاعدة الصناعية الأميركية وقع على مستويات معيشة الكثيرين. لم يعد الآباء يستطيعون أن يرسلوا إلى أبنائهم ما يكفي في ظروف يختفي فيها أسلوب المعيشة الذي اعتادوا عليه. ولوحظ نوع من أسلوب ما بعد الحداثة، أو تركيز على الحاضر قد أصبح يؤثر على الجيل الجديد.

يشعر الكثير من الباحثين بفضول شديد لمعرفة ما الذي أتاح البيع، ولكن الموضوع أيضاً يثير حيرتهم. ولاحظ البعض حدوث ذلك أثناء مرحلة من الرأسمالية المالية، وبدا أن وول ستريت في الواقع، وليس الحكومة في واشنطن، هو الذي يسمح أو يمنع ترتيبات المبيعات، والاندماجات، والمشروعات المشتركة. والحق أن التصريحات التي أدلى بها العديد من الرؤساء غالباً بدت ترديداً لما كان يُقال بالفعل في وول ستريت. ربما كان الأمر كذلك. وعلى أية حال، لم يكن الأمر بهذه الطريقة دائماً. في القرن التاسع عشر، كانت الولايات المتحدة تحت حكم رأس المال المالي. لكن مع التعريفات الجمركية عام 1888، على عكس الجات اليوم، قامت الحكومة بحماية أسواقها ومصالحها القومية. ربما كان نظام الأطراف المتعددة في ذلك الوقت أضعف بكثير.

والخلاصة، إذا كان الاستثمار الأجنبي ونقل مواقع الصناعة إلى الجنوب أو إلى الخارج قد استطاع أن يعيد تشكيل المجتمع الأميركي بعمق، فقد عمل ذلك بموافقة وقبول واضح من شرائح من كل الطبقات، وإذا كان من الممكن التخلص من الأصول الرئيسية كيفما اتفق، ألا يحتاج المرء في النهاية إلى تفسير جديد لكيفية اتخاذ القرارات؟ وهل صحيح أن الأمر مجرد منطق السوق؟ كما يزعم المنهج السائد باستمرار؟

ويمكن للمرء أن يفترض أنه، بينما كان رجال البنوك وسماسرة وول ستريت واللوبي الأجانبي على الأقل أحد أجزاء عملية صناعة القرار، فإن عاملاً آخر، وربما أهم بكثير، هو الجناح السياسي للمحافظين الجدد في هيكل السلطة الأميركية. ويرقى ما تم تنفيذه إلى اختيار سياسي بالنهاية.

وفي تلك الفترة بالنسبة إلى المحافظين الجدد، ربما بدا لهم فقدان القيادة التكنولوجية على مستوى العالم ثمناً معقولاً مقابل الفوز بنصر حاسم على المصالح الصناعية المحصنة للبلاد وكذلك على النقابات. وفي عام 1888 لم يكن هذا الاختيار ممكناً لكنه ممكن الآن بسبب المدى الذي وصلت إليه العلاقات متعددة الأطراف. ومع التركيز كما يفعل المحافظون الجدد، على الحاضر وعلى المستقبل القريب للغاية، لا شك أن الكثيرين ربما وصلوا إلى الاستنتاج بأن تخليص البلاد من النقابات سوف يمهد الطريق لمستقبل أكثر ربحية ويخلو من المتاعب.