قد لا تكون “إسرائيل” الدولة الوحيدة القائمة (كلياً أو جزئياً) على أراض مغتصبة، لكنها حتماً الوحيدة غير المطمئنة على بقائها واستمرارها.  واقعٌ لم يأتِ من فراغ، بل هو نتاج عقود من المواجهة المستمرة ومحور مقاومة متعاظم ممتد من طهران إلى غزة.  مطلع هذا الشهر، صدر عن مركز دراسات الأمن القومي في تل أبيب دراسة بعنوان "سيناريوهات التهديد الوجودي لدولة إسرائيل" للباحث أوفير فينتر. يُعرّف التهديد الوجودي على أنه مسار أو تطور يهدّد بشكل جدي أصل وجود دولة “إسرائيل” وقدرتها على أن تكون موطناً للشعب اليهودي ينقسم التهديد الوجودي إلى ثلاث فئات: ديموغرافي (خسارة الأكثرية اليهودية)، سياسي (خسارة الشرعية الدولية) وأمني (تهديد عسكري) وهو غالباً ما يحظى بالاهتمام الأكبر رغم أن التهديدين الأوّلين لا يقلان خطورة.  في مواجهة هذه التهديدات، يرتكز الأمن الإسرائيلي على أربع مقوّمات: العلاقات الخارجية، المرونة الداخلية، التفوق التكنولوجي، والقوة العسكرية (انظر الجدول):

 

أما سيناريوهات التهديد الوجودي، فيمكن حصرها بخمس سيناريوهات وإن كانت اللائحة تحتمل إضافة مزيد من العناوين:

أولاُ- تشكيل تحالف عسكري إقليمي ضد “إسرائيل”

من المستبعد في المدى المنظور قيام تحالف عربي-إسلامي عريض معادٍ لـ”إسرائيل”.  الأسباب متعددة ومنها: ضعف النظام العربي الرسمي، دعم الولايات المتحدة الأميركية لـ”إسرائيل”، نظرة بعض الأنظمة العربية لـ”إسرائيل” على أنها حليف.  غير أن هذه العوائق ممكن تجاوزها في حال حصول تغييرات جوهرية في المنطقة مثل سقوط الأنظمة العربية "المعتدلة" أو حصول تقارب سني-شيعي.  تتصدر إيران الجهات الإقليمية التي تهدد “إسرائيل”؛ فهي الدولة الوحيدة التي تعلن صراحة رغبتها في القضاء على “إسرائيل” وتزوّد حركات المقاومة في المنطقة بالسلاح لا سيما الصواريخ الدقيقة.  على المستوى الأميركي، تتصاعد نزعة "أميركا أولا" ودعوات تحجيم الانخراط الأميركي في الشأن الأوسط ما قد يزعزع العلاقة الإستراتيجية التي تجمع “إسرائيل” بالولايات المتحدة.

ثانياً- انتشار الأسلحة النووية في منطقة الشرق الأوسط

استحوذ المشروع النووي الإيراني على اهتمام العالم في السنوات الأخيرة وحفّز العديد من اللاعبين الإقليميين كتركيا والسعودية على السعي لامتلاك مشروعهم النووي الخاص. المصلحة الإسرائيلية تقتضي قطع طريق على أي محاولة لامتلاك سلاح نووي في الإقليم حتى في الدول التي تجمعها بها علاقات طيبة ومصالح مشتركة. ففي حالة سقوط أحد هذه الأنظمة، قد يأتي نظام جديد يتبنى سياسة عدائية تجاه “إسرائيل” (نموذج إيران بعد سقوط الشاه).

ثالثاُ- إنهيار أنظمة الدفاع الإسرائيلي نتيجة هجوم بالصواريخ الدقيقة تقوده إيران وحلفائها

حالياً، التهديد العسكري الرئيسي الذي يهدد “إسرائيل” هو سيناريو هجوم صاروخي يستهدف المنشآت الحيوية (مدنية وعسكرية) في العمق الإسرائيلي. في السنوات الأخيرة، شهد أعداء “إسرائيل” قفزات نوعية في قدراتهم العسكرية والتكنولوجية خاصة الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة. إلى جانب التقدم التقني، اكتسبت إيران وحلفائها خبرات عملياتية نتيجة المعرك التي خيضت في سوريا، العراق واليمن. صحيحٌ أنّ “إسرائيل” طوّرت هي بدورها أنظمة اعتراض للصواريخ (القبة الحديدة، عصا داود..) إلا أن هذه الأنظمة مشكوك بمدى فاعليتها خاصة في حال نشوب نزاع مسلّح على عدة جبهات في وقت واحد.  

رابعاً- العزلة الدولية ومقاطعة “إسرائيل”

تشكل علاقات “إسرائيل” الخارجية مرتكزاً أساسياً في سياستها الدفاعية ووسيلة صدّ وتخفيض للتهديدات المحتملة. لذلك، في حاول واجهت “إسرائيل” حالة عزلة دولية وعقوبات، قد تجد نفسها عاجزة عن حماية مصالحها الحيوية خاصة إذا ترافقت العزلة مع تهديدات عسكرية. التحالف الإستراتيجي الوثيق مع الولايات المتحدة هو الرصيد الأهم في علاقات “إسرائيل” الدولية. ويجب التأكيد على أن العلاقات التي تربط “إسرائيل” بالاتحاد الأوروبي ودول "الاعتدال" العربي تعتمد إلى حد ما على علاقة “إسرائيل” بالولايات المتحدة. مستوى التهديد الوجودي الذي قد تواجهه “إسرائيل” في هذا المجال يرتبط بمدى استعداد الإدارة الأميركية للانخراط في الشرق الأوسط وتبني مصالح “إسرائيل”.  

خامساً- تفكك المجتمع الإسرائيلي وخسارة مقومات القوة الداخلية وهويته اليهودية والديمقراطية

التهديدات الوجودية لا تنحصر بعوامل خارجية، فالداخل الإسرائيلي تعصف به  تحديات مصيرية وأسئلة وجودية تهدد استمراره. المجتمع الإسرائيلي منقسم إلى شرائح قسّمها الرئيس الإسرائيلي إلى أربع ِ"قبائل": العلمانيين، المتدينين الوطنيين، الحريديين والعرب. إن هذه "القبائل" لا تتشارك نفس الرؤى واحتمال نشوب حرب داخلية أو نزاع مسلح بين هذه المجموعات أو بين إحداها والحكومة الإسرائيلية وارد وإن كان مستبعداً في الوقت الراهن.