لم يكن قد مر يوم على انفجار بيروت حتى بدأ الإعلام الأمريكي، ومن ورائه سمير جعجع ووليد جنبلاط ومشاهير مواقع التواصل الاجتماعي، في استثمار هذه المأساة وتوظيفها من أجل مشروع استعماري جديد/قديم في لبنان. بدأوا بتركيب الحكايات عن مسؤولية مباشرة أو غير مباشرة لحزب الله عن الانفجار، وخلصوا من ذلك إلى الدعوة إلى نزع سلاح المقاومة وتحييدها وإلى أشكال جديدة من التدخل الأجنبي. فطالبوا بأن تتولى مؤسسات دولية التحقيق (ونحن نعلم ما يعطيه هذا التدويل من يد عليا للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ولمجلس الأمن الذي تسيطر عليه القوى العظمى). والأخطر في هذا السياق هو ما طالب به سمير جعجع من وضع جهود إعادة الإعمار تحت وصاية سلطة دولية: وبعد أن دمر الانفجار مخزون القمح المستورد الذي يحتاجه لبنان فإن ما طالب به جعجع هو ببساطة استقدام سلطة أجنبية تتحكم في قوت اللبنانيين. هذه المشاريع كأنما تريد للبنان أن يصبح كيانا منزوع القوة والإرادة تتحكم في قضائه واقتصاده وأمنه وغذائه قوى دولية ليصبح منصة تشن منها الولايات المتحدة حروبها على المنطقة وتدير منها مؤامراتها ومشاريعها. وقبل أن تجف الدماء كان إيمانويل ماكرون يتجول في طرقات بيروت وهو يوزع النصائح والوعود (بإعادة صياغة العقد اللبناني لا أقل) والمبادرات العاطفية، ويعطي هذا المشروع الاستعماري وجهه المعتدل و"الحنون".

لا أتحدث هنا عن مؤامرة: فالانفجار قد يكون مدبراً وقد لا يكون، وربما علم الأمريكيون وأذنابهم باحتمال حدوثه فأعدوا هذه الخطط، أو أن الانفجار جاءهم من حيث لا يحتسبون فاستثمروه. الحديث هنا عن حرب إمبريالية مفتوحة توظف كل حدث وكل كارثة وكل نقطة ضعف تجدها فينا أو نتركها لها.

هذه الحرب الأمريكية المفتوحة على لبنان والمنطقة هي حقيقة تاريخية قبل أن تكون تحليلاً للحاضر أو قراءة للمستقبل: فلبنان لم يسلم من دبابات أمريكا وقواتها البرية والبحرية وقصفها للمدن والقرى. ولا ننسى أن الاجتياح الإسرائيلي عام ـ1982 كان جزءاً من خطة أمريكية بتنسيق من الأمريكي اللبناني فيليب حبيب، ودعم من عميلها بشير الجميل؛ وبعد أن فشل الاجتياح وانسحب الإسرائيليون، حاولت أمريكا أن تُدخل لبنان تحت وصايتها السياسية والعسكرية المباشرة فكانت قوات المارينز وكانت قوات المظليين الفرنسية التي جعلت من الاحتلال الأمريكي "قوات متعددة الجنسية"، وكانت طبعاً مخابرات أمين الجميل التي أشرفت عليها المخابرات الأمريكية – ليصبح مشروع الوصاية مشروعا وطنياً وطائفياً في آن -، وكانت البارجة الأمريكية "نيو جيرسي" تقصف بيروت والضاحية والشوف (ونعرف أن هذه الوصاية الأمريكية ذات الوجه "الدولي" و"الوطني" لم تخرج من لبنان إلا بعد حرب تحرير شرسة قبل أن تعود مرة أخرى أحياناً بغطاء سعودي وأحياناً بغطاء لبناني على يد الذين كانوا يصفقون للقذائف الأمريكية والذين كانوا يتلقونها على حد سواء).

الغريب أن بعض الأطراف تتعامل مع هذا التاريخ كما لو كان وهماً أو خيالاً أو ماضٍ بعيد. بينما لم تسقط هذه الأحداث بعد من الوجدان الشعبي والسياسي اللبناني - بما في ذلك وجدان بعض هذه الأطراف التي ترهن نفسها الآن للمشروع الأمريكي -. ذات مرة كنت راكباً مع سائق سرفيس من الشوف، من أنصار وليد جنبلاط، وإذ به يغني بعفوية، من تراث الحزب التقدمي الاشتراكي "الشعب اللي علق لك مرسى بكل الساحات... ما بتهمه "نيو جيرسي" ولا الدبابات" (والقصيدة للشاعر طليع حمدان). وفي أغنيته عن التاريخ يتحدث مارسيل خليفة عن زعماء الطائفية الذين "لما انهزوا اجرين الكرسي، جابوا كل الدول الشرسة، وغطوا الكرسي بـ"نيو جيرسي" وبـ"المتعدد الجنسية"".

لم أسق هذا التاريخ إلا مثلاً؛ فالمشاريع الاستعمارية الأمريكية في لبنان لم تبدأ مع حرب الجبل (فلا ننسى، على سبيل المثال، أن حرب 1958 هي الأخرى بدأت بتدخل أمريكي وانتهت بخروج المارينز خائبين)؛ ولم تنته هذه المشاريع بانتهاء الحرب الأهلية اللبنانية (فصيغة الطائف كانت صيغة توافق أمريكي سوري سعودي في لبنان)؛ ولا يمكن قراءة حرب الـ2006، ولا كل اعتداءات العدو الإسرائيلي على لبنان منذ إنشاء دولته وحتى اليوم من دون الحديث عن موقع الكيان الصهيوني من المشروع الإمبريالي الأمريكي.

هذه الحرب توظف كل الأحداث والحوادث، مدبرة كانت أو غير مدبرة، وكل إخفاقاتنا، سواء كان سببها الاستعمار أو إهمالنا أو الاثنين، في هذا المشروع الاستعماري.

فمن البداية لا يمكن أن نفصل حدثاً كهذا عن العلاقات المالية الإمبريالية التي تجعل من "العالم الثالث" ساحة لعمليات التجارة والصناعة والتخزين الخطرة، بينما تكدس معايير الأمان في "العالم الأول". ولا ينفصل الحادث كذلك عن الكيان المهترئ والفاسد الذي سلمه الاستعمار الفرنسي للبنانيين والذي أصرت أمريكا على أن تستمر في تدميره (ببوارجها وببوارج حليفتها "إسرائيل" وطيرانها). وإن كنا لا نبرئ الذين تسلموا هذا الكيان وأبقوا على فساده منذ عام 1920 حتى اليوم، فإن مسؤولية الذين لم يصلحوه لا تنفي مسؤولية الذين خلقوه فاسداً وسلموه فاسداً وضمنوا استمرار فساده.

ومن ناحية أخرى فإن هذا الحديث عن حرب إمبريالية مفتوحة يحمّل حزب الله والمقاومة مسؤولية تاريخية ومصيرية أكبر، ليس فقط على مستوى حماية الناس الذين تدور هذه الحرب الاستعمارية على أعناقهم، ولكن أيضاً على مستوى حماية ظهر المقاومة التي تستهدفها هذه الحرب، من كل الجهات.

فأنا من الذين يرون أنه ما دام حزب الله هو صاحب السلاح الأقوى والجهاز المعلوماتي الأنجع فإن للناس عليه حقاً أن يحميهم. ربما تتحول هذه الدعوى في أفواه المتآمرين على المقاومة إلى قول حق يراد به باطل، إلّا أنها تبقى قول حق. وأنا من الذين يرون كذلك أن تصالح حزب الله مع الصيغة اللبنانية بفسادها واهترائها، بل ومشاركته فيها في بعض الأحيان، قد كلف المقاومة الكثير وترك ظهرها مكشوفاً للعدو.

المسألة لم تعد مسألة أخلاقية فحسب، ولكنها أيضاً مسألة ميدانية؛ فحين تترك المقاومة بيروت للفساد، وحين تترك المرفأ لتخزين المواد الخطرة، وتترك حياة الناس فريسة للصيغة اللبنانية الفاسدة والمهترئة، فإنها تترك ظهرها مكشوفاً لحدث مثل انفجار الميناء، وتترك بذلك موطئ قدم لوثبة استعمارية جديدة تستهدف لبنان ومقاومته والمنطقة بأسرها.