هنالك من يحيل تزامن وصول كل من ترمب ومحمد بن سلمان ونتنياهو إلى سدة الحكم لمحض الصدفة، بيد أن الصدفة في ذاتها كمفهوم تستلزم صيرورة تطور موضوعية للأحداث الطبيعية والإجتماعية. وعليه، ولتفسير الصدفة علينا تقصي جذر الضرورة الموضوعية تلك.

من هنا، ثمة ضرورة لتقصي آلية عمل التناقضات الداخلية الأميركية التي يشكل ترمب وجهها، ومعرفة أثرها على صراعات أجنحة البيت السعودي وبالتالي معرفة جذرها. إن الحديث عن سيادة واستقلال أنظمة الخليج أمر نسبي ومرهون لعوامل عدة: منها الوضع الإقليمي والداخلي، ومنها مجال الحركة المسموح به أميركياً والذي تعمل فيه الولايات المتحدة كناظم رئيس، وهذا هو العامل الحاكم.

فعلى مدار قرن من الزمن، سواء خلال فترة الإستعمار الإبريطاني أو خلال عصر الهيمنة الأميركية، ظلت أروقة القصور الخليجية وخلافاتها الداخلية محل ضبط ومراقبة من الدبلوماسيين الغربيين القائمين في تلك الدول. في الخليج، تحال معرفة مختلف الأحداث الداخلية بين أجنحة العوائل الحاكمة للدبلوماسيين الغربيين (وهؤلاء على صلة مباشرة مع الجهات الإستخباراتية في بلادهم) المطلعين على ما في داخل هذه البلدان أكثر من أهل البلد ذاتهم. هكذا تمسي الصحف الغربية وكتابها المقربين من الإستخبارات مصدر المعلومة الأول والوحيد للداخل الخليجي عموماً، والسعودي تحديداً، وبمقدار ما تسمح به الإستخبارات الغربية ووكالة الإستخبارات المركزية الـCIA على وجه الخصوص.

تحكم آلية الضبط والمراقبة هذه توازنات مؤسسات صنع القرار في واشنطن؛ من مجمع الإستخبارات، والبنتاغون، والكونغرس، وصولاً إلى البيت الأبيض. هكذا، فهم السعوديون توازن وتقاسم الحصص وعملوا وفقاً له في ضخ مواردهم المادية، وتوزيع بيضهم الذهبي في سلال مؤسسات ومراكز الحكم الأميركية المختلفة، وامتداداتها من الشركات الخاصة ومراكز الأبحاث واللوبيات، وصولاً إلى الجامعات والبنى الأكاديمية. إلا أن وصول ترامب للبيت الأبيض أنتج تصدعاً في حالة التوافق بين مختلف الأجنحة الأميركية، ما انعكس بشكل طبيعي على آلية صراع الأجنحة في الداخل السعودي، التي يعبّر كل جناح فيها عن تباين مصالح كل من البيت الأبيض ووكالة الإستخبارات المركزية.

شكل إنقلاب آل سلمان بداية مرحلة جديدة مختلفة لدينامية الصراع والتفاهم داخل الأسرة الحاكمة، مع ترهل الجيل الثاني من أبناء المؤسس وتغيير نمط التوريث الإفقي بين الأخوة، لحصره عمودياً أو حتى أفقياً في جناح أحد أبناء الملك عبدالعزيز. فعلى طول الفترة التي سبقت وصول محمد بن سلمان لولاية العهد، كانت آلية الصراع في الداخل السعودي انعكاساً لخلافات واختلافات وكالة الإستخبارات المركزية الأميركية مع البيت الأبيض، فالسي آي أي أرادت تثبيت دعائم شراكتها مع المؤسسة الأمنية في وزارة الداخلية تحت مسمى مكافحة الإرهاب، منتصرة لخيار محمد بن نايف، أما البيت الأبيض فقد انتصر لمحمد بن سلمان، الذي عرض أوراق اعتماده للإدارة الجديدة عبر صهر ترامب جاريد كوشنر، لينتهي المخاض باستحكام محمد بن سلمان بمقاليد ولاية العهد، وتخلي السي آي أي عن "بن نايف" مقابل الحفاظ على رأس المؤسسة الأمنية عبد العزيز الهويرني وعلاقاتها معه. وهو ما دفع بترامب للقول "لقد وضعنا رجلنا في السلطة".

تطور الأمر مع الزمن وجراء تمترس الأمير الشاب خلف إدارة ترمب والبيت الأبيض واضعاً كل بيضه في تلك السلة، ليصل إلى مرحلة العداء المباشر والطفولي مع المراكز الديمقراطية وامتداداتها، التي وجدت في مهاجمة "بن سلمان" ضرباً غير مباشر لكل من ترمب وصهره كوشنر ورهانهما على الأمير.

انعكس هذا الواقع الجديد داخلياً بتصفية بن سلمان لأي جيوب داخلية على صلة قديمة أو جديدة مع واشنطن. ويعود ذلك لرغبته في تمكين سطوته أولاً وانهاء تباينات صراع مراكز القوى التاريخية في السعودية بين الداخلية والديوان الملكي والحرس الملكي، وثانياً لوضع الأميركيين والغربيين أمام الأمر الواقع أن لا بديل له، وهو المهووس بخوفه من أن يتجه الأميركيون والديمقراطيون على وجه الخصوص إلى اعادة ترتيب البيت السعودي بشكل ينهي مغامرته الرعناء.

تصفية محمد بن سلمان لمختلف مراكز القوى التقليدية ومنها المؤسسة الدينية داخل المملكة عنت بالضرورة إزاحة مريديها الذي تفرقوا ما بين المعتقلات والغربة، ليصل عدد السعوديين في الخارج إلى حجم غير مسبوق (ويعود ذلك لعوامل أخرى أوسع أيضاً). لقد تمظهرت تناقضات هذه المنظومة مع ذاتها من خلال موجة "المعارضة" السعودية الجديدة التي شكلت انتقالاً من تباينات الداخل إلى شكل أكثر حدية في الخارج.

إنه أمر غير مسبوق بحد ذاته في التاريخ السعودي، فلطالما صعدت معارضة وأفردات في الخارج ليرجعوا إلى الداخل في الأخير مع إعادة ترتيب بيت الحكم. هذا الأمر حدث بعيد صراع الملك سعود مع أخيه فيصل، أيضاً وإن بشكل مختلف مع المعارضة الإسلامية في القطيف والأحساء قبيل صلحهم مع الملك فهد. أما اليوم، فجمال خاشقجي مثّل انتقالاً لهذه التباينات للخارج. بالنسبة لمحمد بن سلمان يعد خاشقجي امتداداً لأحد الأجنحة التقليدية المحافظة التي أزيحت ليقيم بعدها في واشنطن، ثم ليكون بعد جريمة قتله رمزاً "للحرية" بالنسبة للمؤسسات الديمقراطية الأميركية رغم لعبه لعقود دور البيدق في الحكم التسلطي السعودي.

 تفاقم المشهد اليوم مع المدعو سعد الجبري، وهو أحد أعمدة مؤسسة وزارة الداخلية إبان هيمنة آل نايف عليها، والذين تمت تصفيتهم، إلا أنه نجح بالهروب للخارج قبل أن يتم اعتقاله. هو بدأ في الولايات المتحدة ثم انتقل الى كندا خوفاً من ترحيل البيت الأبيض له. لم يرِد الجبري في تقديري الإستمرار في تناقضه خصوصاً مع مراكمته التاريخية للأموال وتملكه لعقارات متعددة بين أميركا وكندا. هو اصطدم بواقع اعتقال محمد بن سلمان لأبنائه الصغار وأخذهم كرهائن انتقاماً منه وابتزازاً له. لكنه اضطر إلى القيام بردة فعل تمثلت بإعادة تمكين صلاته الإستخباراتية، ليستخدمه كل من السي آي أي، والنواب الديمقراطيين كورقة ضغط على ترامب، وإن لم تؤت أوكلها حتى اللحظة رغم اتخاذ الخارجية الأميركية لموقف علني داعم له، ورداً لجميل "خدماته السابقة" على حد وصفها.

يمكننا اعتبار الانتخابات الأميركية هذا العام انتخاباتاً سعودية بشكل كبير، فنتائجها ستنعكس على مختلف الملفات السعودية. إن خسارة ترمب تعني لحظة مصيرية لمغامرة محمد بن سلمان وإن كان ذلك لا يعني نهايته، فوصول الديمقراطيين يعني مرحلة جديدة لإعادة ترتيب كواليس المملكة الأميركية، أخذاً بالإعتبار الحدية والتناقض الأحمق وغير المفهوم الذي كرسه السعوديين مع مختلف النخب الأميركية والرموز. وكأن مراهنتهم مع البيت الأبيض ستظل خالدة مخلدة. فإعادة ترتيب ديمقراطية ستعني رجوع العديد من "المعارضين" في الخارج إلى المملكة وانتهاء مغامرتهم قصيرة الأمد، وهكذا سيُعلن عن تسوية وعفو وينادى هذا العفو قد غشيكم فاتخذوه جملاً. أما في حال فوز ترمب فستعني المسألة إعادة إحياء سطوة الأمير الشاب، وبث الروح لأربع سنين جديدة، نشوة ستتفجر توحشاً أكبر في الداخل سواء لناحية الإعتقالات أو الإعدامات أو الأحكام المديدة والجائرة. الأمر نفسه بالنسبة إلى الخارج (وبشكل خاص العدوان على اليمن) حتى وإن حاولت الإدارة المُعاد انتخابها ضبطه وترميمه.