استشعر السيد شرف الدين، الزعيم الشيعي الديني الأبرز في جبل عامل ولبنان عموماً، دنوّ أجله. مرّت عليه أحداث كثيرة وخطيرة خلال فترة نشاطه في بلاد عاملة منذ ال1906، بعضها كان مفصلياً وغيّر وجه لبنان أو ساهم في بناء الكيان اللبناني الذي نحن فيه اليوم. لقد عاصر شرف الدين نهاية 400 عام من الهيمنة العثمانية ومن اضطهاد الشيعة؛ لحظة مفصلية وتاريخية في وعي العامليين الشيعة. كما عاصر دخول فرنسا على خط الهيمنة والسيطرة على بلاد الشام تحت عنوان الانتداب، وعايش بداية صعود الهيمنة المارونية في السياسة الداخلية وانحسار الدور الدرزي والسنّي نسبياً بعد إعلان قيام الدولة المعجزة "لبنان الكبير". لقد تحمّل شرف الدين مسؤولية قيادة الشيعة وتوجيه زعمائهم وتوعية جمهورهم عبر انتاج النخب الدينية والتأثير في سياسة الجماعة الشيعية خلال النصف الأول من القرن العشرين. يبدو أنّ شرف الدين كان يدرك أنّ اللحظة الذهبيّة لخروج الشيعة من الإضطهاد التاريخي الحاصل عليهم في هذه المنطقة منذ ما قبل حكم المماليك ربما تكون اقتربت، وعليه فإنّ من يجب عليه تولّي قيادة الجماعة الشيعية في هذه المرحلة الدقيقة كان يجب اختياره بعناية شديدة.

اتّصل سيد عاملة بالحوزة في قم، مع العلم أنّه أمضى عمره في حوزة النجف في العراق منذ ولادته حتى عودته إلى لبنان. يُنقل عنه أنّ معرفته بالوضع العراقي والحوزة النجفية جعله على يقين أنّ تعقيد الوضع في لبنان لن يتمكّن من الإمساك بأطرافه ابن العراق، فالظرف شديد الاختلاف، والبيئة مختلفة وطبيعة التحدّي تحتاج إلى عقلية مختلفة. يرتبط شرف الدين بآل الصدر في النسب من خلال الجدّ الأكبر، فآل الصدر وآل شرف الدين أبناء عمّ. وقع اختيار شرف الدين على السيد محمد رضا الصدر والذي بدوره ينحدر من أصل لبناني، ثمّ تدبّر أمر سفره واستضافته في لبنان. قام السيد شرف الدين على مدى أشهر بتعريف الصدر على البيئة اللبنانية وتشعّباتها السياسية وأمّن له جولة على الصفّ الأوّل للطبقة السياسية اللبنانية بمختلف أطيافها، فزار الجبل وبيروت وبعض شمال لبنان وبعض البقاع، والتقى بعائلات سياسية مختلفة ورؤساء طوائف وأحزاب. بعد بضعة شهور جلس الصدر وشرف الدين في خلوة، ينقل من كان واقفاً يحرس الباب احتدام النقاش بينهما: "لقد جلبتني من حيث كنت أطلب الآخرة لتعرض عليّ الدنيا"!

رفض السيد محمد رضا الصدر عرض السيد شرف الدين، ويمكن القول هنا وإن بشكل شديد الإختزال: لقد اختار السيد محمد رضا الصدر الحياد تجاه القضية السياسية للشيعة في لبنان. لكنّ القرار الشخصي للسيد محمد رضا لم يكن ليسمح للسيد شرف الدين بتضييع هذه الفرصة التي يراها نصب عينيه، الحياد العملانيّ الذي قاربه الشيعة في العديد من مراحلهم التاريخية من منطلق التقية لم يكن مطلوباً في هذه اللحظة بالذات. عاد السيد الصدر إلى إيران، وعندما أطلع أخيه الأصغر السيد موسى على خلاصة الرحلة، انجذب الأخير إلى الموضوع بشكل خاص.

موسى الصدر: حضور على كلّ الجبهات

كان موسى الصدر ثورياً بكل ما للكلمة من معنى. دخل الحوزة ودرس العلوم الدينية، ثم دخل جامعة طهران ودرس الحقوق وكان أوّل حوزوي إيراني يتخرّج من الجامعة. أتقن الفرنسية والإنكليزية، إضافة إلى لغتيه الأم العربية والفارسية، واشتغل في التدريس وبناء العلاقة مع الجامعيين والحوزويين بعد أن نال درجة الاجتهاد في الفقه. وقد جمع بشخصيّته مميّزات زادها غنىً إطّلاعه السياسي وحركيّته التي قلّ نظيره بين أقرانه، فكان باختصار يرى في شيعة لبنان المستضعفين الذين يطلبون قائداً فرصة كبرى للقيام بما يتمنّاه كلّ مخلص لدينه وأهله. ليس صحيحاً ما يتناقله البعض أنّه جاء ليفرّغ للكتابة في صور ثم تدحرجت الأمور به إلى أن وجد نفسه في خضمّ المعركة السياسية في لبنان وممثلاً للجماعة الشيعية؛ لقد اختار موسى الصدر بدقّة حضوره القوي في المشهد السياسي اللبناني منذ أول زيارة له إلى لبنان سنة 1955. تمكّن السيد الشاب بسرعة مذهلة من الإحاطة بتفاصيل هذا البلد، فوضع خطة للنهوض بواقعه السياسي من طائفية مريضة تنهش من لحم الشيعة لتطعم كروشاً عابرةً للأحزاب والطوائف والديانات، لم تكن شبعت بعدُ من أكل أبناء طائفةٍ كانت توزّع مقاتلين على كلّ الأحزاب اللبنانية.

ولم يكن الصدر طولياً في التخطيط والعمل، ولم يبدأ إصلاحه من أعلى الهرم. بتعبير آخر، لم يتبنَّ موسى الصدر الحياد النسبي ولا الجزئي في سياسته الإصلاحية، ولم يظهر عنه يوماً أنّه رأى الأولوية هنا فقال لنهمل هناك. بدأ على الصعيد الإجتماعي عمله في تأسيس جمعيّات أهلية تتوزّع أهدافها على عدّة مجالات: التعليم والإعداد المهنيّ للفتيان والفتيات، محو الامية، العمل الإجتماعي والتكافل، الرعاية الصحية. وكان في ذات الوقت يؤدّي دوره الديني في خدمة الدعوة ونشر المعارف الدينية ضمن الطائفة التي كانت محرومةً حتّى من أن تعرف أصول دينها وتتثقّف حول قضاياها الأساسية. وكان في معظم هذا الوقت ينتقل بين لبنان وإيران، يتابع من جهة أخبار بلده الأم الذي كان يخوض ثورة دموية يرتفع لهيبها تارة ويخفت تارةً أخرى بسفك دمِ الأبرياء بالآلاف وسط الشوارع كرمى لعيون الشاه ومصالح أميركا في إيران. وكان للصدر مع عمله النوعي في لبنان مشاركات نوعية في الثورة الإيرانية التي امتدّت على عشرين عاماً شاء الله أن لا يرى الصدرُ ثمرتها "الجمهورية الإسلامية"، وهو الذي طلب من العلماء الإجتماع الطارئ لإعلان السيد روح الله الخميني على عجلٍ مرجع تقليد، بعد اعتقاله من قبل السافاك الإيراني للمرة الأولى، منعاً لإعدامه.

كان الصدر متفانياً، نجح بشكل نادرٍ فيما فشل فيه الجميع وهو أنّه بنى علاقات طيبة مع كلّ المجتمع اللناني وطبقاته، فكان يحبّ أن يخاطب الشعب كما كان يجلس مع رؤساء الدول والاحزاب، وكان لا يترك مناسبةً فيها فرصة للتأثير في الرأي العام في الجنوب أو البقاع أو خارجه إلا وقطفها. وحين تعرّضت بلدة اليمّونة في آخر البقاع لإعصار قتل أكثر من 10 أفراد من أهلها، ركب السيارة وزارها مصرّاً على الحضور حيث لا يحضر الآخرون، نازعاً عنه ما يلتصق بغيره من الزعماء من الصفات، مميّزاً نفسه عن باقي الطبقة السياسية، مظهراً بشكل واضح للناس أنّه مختلف. ولقد نجح الصدر في ذلك أيضاً، لقد عرف الشعب اللبناني سمات السيد موسى ولا زال إلى اليوم يرى فيه زعيماً مختلفاً، فهو بعمّته السوداء وخلفيته الدينية الواضحة شخصٌ منفتحٌ، وهو بردائه الديني ولغته الفصحى المطعّمة بلهجة إيرانية ثقيلة - يضيف عليها صوته الرخيم قداسةً عجيبة - شخصٌ معاصرٌ. وهو في نفس الوقت الذي يقف فيه في وسط حسينية بلدة حولا، ومسجد صور، يجلس أيضاً في قاعة مسرح الجامعة الأميركية ويناقش في الفيزياء والفلسفة. وهو ذاته الذي كان يجلس مع حافظ الأسد ويفاوضه على غطاء سياسي للشيعة مقابل غطاء ديني لعلويي سوريا، ويجلس مع عرفات ويصارحه: القدس لن يحررها إلا المؤمنون الشرفاء. وهو الذي كان يجلس مع عبد الناصر ويقاتل على وحدة الصف في مقابل شرّ "إسرائيل" ومطامع الكيان المحتلّ في البلاد العربية، ويقول بصوت يخترق صمتاً حقيراً في أوساط صهاينة لبنان: إذا دخلت "إسرائيل" الجنوب سأقاتلها بأسناني وأظافري.

لقد وضع موسى الصدر شيعة لبنان على الخارطة السياسية في لبنان والإقليم، بعد قرون من القحط واستشعار الضعف والإنزواء في جبال عاملة ووديانها تقيّةً واتقاءً لشرور الأقربين قبل الأبعدين؛ ثمّ جاء من بعده الخميني والثورة الإسلامية ليحجزا لهم مكاناً في المعادلات السياسية الدولية، ويصبح لهم وزنٌ سياسيّ بات منذ فترة غير قريبة يفوق وزن لبنان الكبير بمتصرّفيّته وجبال أرزه وملحقاتها.

المقلب الآخر

جرى هذا كله في الوقت الذي كان فيه مؤسسات دينية ومرجعيّات لها وزنها السياسي في البلد، أوّل حرفٍ من اسمها البطركية المارونية، تنسج العلاقات مع الصهيونية العالمية منذ ما قبل احتلال فلسطين ونكبة الـ1948 إلى يومنا هذا. من إميل إده والبطريرك عريضة والمطران اغناطيوس مبارك، الذين لم يكونوا مطبّعين مع الصهاينة، بل كانوا وبكلّ موضوعية "صهاينةً لبنانيين" بامتياز لدرجة أن البطركية اقترحت على حاييم وايزمان ضمّ جنوب لبنان إلى "إسرائيل" لتخليصهم من أهله وعبئه، لكنّ وايزمان كان اكثر ذكاءً منه، فلم يقبل أن يرمي زعماء المارونية السياسية مشكلة الشيعة في ملعب اليهود الصهاينة وهم ما زالوا حديثي العهد في المنطقة، فرفض عرض البطرك. وحين بدأت تنشط جمعيات غير معروف أصلها ولا أهلها في عملية شراء الأراضي بشكل واسع في جنوب لبنان خاصة، خلال الخمسينات والستينات واستمرت الى أول السبعينات، لعبت البطركية دوراً مهمّاً في دعم هذه الحركة، وهي سابقة العهد في شراء اراضي شيعة جبيل مقابل أكياس الطحين. في بعض الأحيان نزلت بنفسها إلى الأرض، فعلى سبيل المثال حين قرر مطران صور شراء خراج بلدة العباسية البالغ مئات الدونمات مقابل بضع ليرات ذهبية لبعض الفاسدين في البلدة أوائل السبعينات، لم يتصدّى له إلّا بعض المنتمين إلى حركات المقاومة الفلسطينية والذين كانوا واعين لمثل هذه المشاريع ورفضوا أن تستنسخ نكبة فلسطين في لبنان.

وعندما وقعت الحرب في البلد بين تياراته ومكوناته، واصطفّ الناس في محاور وجبهات، كان موقف بكركي واضحاً: أقصى اليمين. دعمت الخيار السوري عندما كان السوريون يقاتلون أعداءها وخصومها، أي الفلسطينيين والدروز، وعندما تطابش المسيحيون أخذت بكركي خيار الإتجاه غرباً، وبصقت في صحن حافظ الأسد بعدما أكلت منه. في الحقيقة، ودون إطالة في سرد قد نفرد له تحقيقاً مفصّلاً في عدد قادم، يعجز المتتبع أن يحصي خياراً وطنياً أو عروبياً ولو يتيماً لهذا الصرح الديني-السياسي اللبناني على مدى قرون. يعجز ورثة المارونية السياسية في لبنان عن الشعور بالإنتماء لشرقٍ لطالما اعتبر المسيحيين أهلَ ذمّةٍ ووكلاءَ لأعدائه الحضاريين يعيشون بينه، ويصرّون بالتالي على تثبيت هذه التهمة عليهم عبر ممارسة كافة أنواع الإرتماء في الحضن الغربي: إنّها معضلة البيضة والدجاجة، فمن يوقف هذا "الـدَوْر" التخويني أوّلاً؟!

نعم لحيادكم!

اليوم، يُشهر البطريرك الراعي - مدّعياً التعبير عن خيار مسيحيي لبنان - راية الحياد بوجه العدو الإسرائيلي وغيره من أعداء البلد. قابل العديد من اللبنانيين المقاومين هذا الموقف بانزاعاج شديد، عبّروا عنه تارةً بالشتائم، تارة بالتخوين، وتارةً بالنكات والكاريكاتور وشعروا باستفزاز شديد. في الحقيقة فإنّ موقف بكركي، إن كان جاداً، ممتاز! إذا قرر البطرك الراعي اليوم أن يقوم بحرف سكّة البطركية المارونية من الإنسجام مع المشروع الغربي – الصهيوني، نحو الحياد الجادّ تجاه الأطماع والمشاريع الأميركية – الصهيونية في بلادنا فهذا لعمري موقفٌ للتاريخ، الذي سيشهد للبطرك الراعي أنّه اتّخذ قراراً شجاعاً بالإقتراب من المحيط العربي ولو متأخّراً بضعة قرون. أن تأتي متأخراً خير من أبداً.
لكن أن يكون خيار الحياد العلني للكنيسة اليوم ملاقاةً للاتجاه الصهيوني العربي السعودي الإماراتي، وهو للأسف أشدّ احتمالاً من الأول بحسب استقراء شخصية بكركي خاصة خلال عهد الراعي، فهو رهانٌ خاطئٌ جديدٌ على مواجهة النصف الآخر من اللبنانيين (أقلّه) مقابل التسليم لخيارات الصهيونية العالمية، وتهميش جديدٌ للقريب على حساب البعيد، وإصرارٌ على مواجهة كلّ خيار وطني يتجه نحوه الشعب اللبناني.

موسى الصدر لا يشبهكم!

هي العقلية التي لا تقبل المختلف، وإن اضطرّت تراه بعينها المغمضة: تتخيّله كما يحلو لها ثمّ تقول هذا هو! أحقاً كان موسى الصدر يشبهكم؟ لقد كان عدوّاً لنهجكم الإنزوائي عن محيطكم، وقائداً مؤسساً لمقاومة حملت همّ لبنان كله، ودافعت عن لبنان كله، وحمَت أهلها بدمائها وفلذات أكبادها دون منّة من أحد. يا من كلّما أشعلتم مصيبة جلبتم من يطفئها عنكم، وكلّما خضتم حرباً طلبتم من الخارج من يساندكم ويحمل عنكم وزركم، لقد دافع شيعة الجنوب والبقاع عن لبنان كله، وعن أنفسهم وأهلهم ومناطقهم ولم يحظوا باعتبار أو امتيازٍ واحدٍ من دولة العنصرية المريضة والتصنيف الطائفي للمواطنة. كلّ حقّ يملكه الشيعة اليوم انتزعوه انتزاعاً من جيوب وكروش اعتبرت الدولة ملكاً لأبيها، وأنّ هؤلاء "الجلب" من سنة الشمال وشيعة الجنوب ينازعوننا عليها. من يستغرب مطالباتكم بحقوق العملاء الصهاينة الملوّثة أيديهم بالدم وآلام الآباء الجنوبيين وقهر الأمهات الثكالى غير ذلك الذي لم يقرأ تاريخكم؟ أي أحمقٍ لا زال يتوقّع المطر من جهة صحرائكم؟

إلتزموا الحياد، بالله عليكم. ودعوا أبناء موسى الصدر يقومون بما علّمهم إمامهم جيداً: إذلال الصهاينة والعمل لبناء وطن.