مخيفٌ كمّ العنف المنتشر في الولايات المتحدة الأميركية، ولا يعكس نمط حياةٍ يشير إلى دولة متحضّرة؛ إطلاق نار عشوائي في الشوارع والنوادي الليلية والمدارس، جرائم خطف واغتصاب وتقطيع، قتلة فرديون متسلسلون وعصابات جماعية منظّمة. كل ذلك سيساعدنا على الفهم الإشارة إلى كون العنف ثقافة عامة متوارثة، وأن ما ينبت في الحاضر له جذوره العميقة في الماضي، وما يقومون به خارج البلد لا يتوقف بعد العودة إلى الداخل. في المحصلة، فإن الحلم الأميركي مهما كان كبيراً تكفي رصاصة واحدة لثقبه.

الإمبراطورية التي شيّدت نفسها فوق المقابر الجماعية لشعب كامل من الهنود الحمر الذين تمّ إفناؤهم في الإبادات، ارتكزت على شعارين تأسيسيين كبيرين وتباهت بهما، هما الدين المسيحي والقانون بسلطته العليا والمطلقة كدينٍ أرضي، وفي ظلهما ارتُكبت مجزرة قنبلتي هيروشيما وناغازاكي الذريتين في نهاية الحرب العالمية الثانية، اللتان لم تغيرا شيئاً في مسار الحرب المنتهية أصلاً، إذ لم تكونا سوى إعلاناً عن البطش المرافق لولادة القطب الأوحد الجديد. أما في الداخل فلا يمرّ عام دون اعتداءات لا مبرر لها من قبل أفراد بيض من قوات الشرطة على مواطنين من ذوي الأصول الأفريقية تودي بحياة البعض منهم، تتبعها حالات شغب ومواجهات، وهؤلاء استقدمهم في الأساس "الفاتحون" البيض من كافة أرجاء القارة السمراء وانتزعوهم من أرضهم وعائلاتهم ثم شحنوهم مكدّسين كالحيوانات عبر شواطئ أفريقيا الغربية ليشغّلوهم كأرقّاء يحق لهم العمل والموت فقط في القارة الشاسعة الغنية التي أضحت مقفرة.

موضوع اعتداءات الشرطة بالغ الأهمية ويزداد حساسيّة بتكراره، إذ هو يمسّ بنية النسيج الوطني المتعدد الأعراق والأصول والخلفيات، حتى لا يمكن استثناء بقعة في العالم لم يخرج منها مهاجرون إلى "العالم الجديد". لم تتوقف الاعتراضات عليه والإدانات له بشتى الأشكال ومنها الأدبية والفنية. كثيرة هي الروايات، والأكثر منها الأفلام، التي تناولته وعالجته من منظورات مختلفة تفرضها خلفيات الكاتب، وفي عدة فترات زمنية منذ ما قبل حرب التحرير الأهلية، التي اندلعت عام 1861 بين الولايات الشمالية المطالبة بإلغاء نظام العبوديّة والولايات الجنوبية التي أرادت الإبقاء عليه، وصولاً إلى روايات توني موريسون وآليس ووكر ومعاصريهما الآخرين.

بالعودة إلى الركيزتين التأسيسيتين المذكورتين سابقاً، فقد تكفّل بفضح هشاشتهما المعاينة على أرض الواقع روايتان اثنتان، شكلتا علامة في الأدب الأميركي وترجمتا لتقرآ في العالم كلّه، مع الإشارة أنهما كلتاهما لكاتبتين بالإضافة إلى عدد آخر من الروايات، مكتوبة بيد نساء أيضاً وعلى لسان بطلاتٍ تكفّلن بمواجهة المجتمع ابتداءً من أزواجهنَّ وأفراد عائلاتهنَّ.

 

الملاك إيفانجيلين:

تعتبر رواية هارييت ستاو "كوخ العم توم" (ترجمة منير البعلبكي ـ دار العلم للملايين) أشهر الروايات الأميركية التي تناولت التمييز العنصري على الإطلاق، وبقيت شخصياتها كرموز دلاليّة تستخدم حتى الوقت الحالي خاصة العجوز توم، رمز الخضوع والولاء الأعمى، وما ساهم في تعاظم شهرتها أنها سبقت بتسع سنواتٍ حرب تحرير العبيد، حتى عدّها الرئيس الأميركي حينها أبراهام لينكولن في لقاء جمعه بالمؤلفة أحد أسباب اندلاع تلك الحرب. وقد ضمّت الكثير من قصص العبيد ومعاناتهم وموت أولادهم، والتي أكّدت الكاتبة أنها منقولة من الواقع كلّها وبعيدة عن التخييل.

كتبت ستاو روايتها بروح مسيحية، وبشيء من البساطة التي جعلتها أقرب إلى قصص الأطفال، حيث العقبات تذلل في نهاية الفصول كأنما بقدرة إعجازية. وتعود الروح المسيحية المكتوبة بها الرواية في أسبابها إلى نوعٍ من المحاججة التي أرادت بها الكاتبة مواجهة من يبررون العبودية بآيات من الإنجيل، خاصّة "أيها العبيد، أطيعوا في كل شيءٍ سادتكم حسب الجسد" المذكورة في رسالة بولس الرسول إلى أهل كولوسي (22:3)، دون أن يكملوا القراءة إلى الأسفل أسطراً قليلة ليصلوا إلى الجزء الذي يخصّهم "أيها السادة، قدّموا للعبيد العدل والمساواة، عالِمِين أن لكم أنتم أيضاً سيداً في السماوات" (1:4).

وتحمّل ستاو الروح المسيحية والبساطة معاً للطفلة إيفانجيلين ذات السنوات الستّ، ابنة السيد سانت كلار سيد توم الجديد، الذي بيع سداداً لدَين، مُبعَداً عن عائلته وكوخه الذي لم يعرف سواه طيلة حياته. هذه الطفلة الأنضج من عمرها إلى حدّ موتها المبكّر، تشتري العبيد "لكي تجعلهم سعداء"، فهم يصيرون شركاءها في اللعب، تعانقهم وتقبّلهم وتسمع منهم الحكايات عن حياتهم السابقة وعائلاتهم.

 يتجاوب أبوها مع مشروعها بكل ترحاب، فهو أيضاً مناهض للعبودية عكس زوجته، ويقدم تفسيراً واقعياً يوضح أسباب استمرار العبودية رغم علم الجميع مدى جورها، بالقول "إن مُلّاك الأراضي يستفيدون منها، ورجال الدِّين يسترضون السابقين، والسياسيون يتخذونه وسيلة للحكم، وهؤلاء كلهم يستطيعون أن يسخّروا الطبيعة والكتاب المقدّس لخدمة مصالحهم".

 

مُدانون لأنّهم مُتّهمون:

فازت رواية "لا تقتل عصفوراً ساخراً" (ترجمة توفيق الأسدي ـ دار التكوين) بجائزة بوليتزر، وبقيت الرواية الوحيدة لمؤلفتها هاربر لي حتى وفاتها، ومع ذلك فقد جعلت اسم كاتبتها معروفاً نظراً لموضوعها والسلاسة والبراعة المكتوبتان به.

تتناول الرواية حياة عائلة بيضاء تعيش في ولاية ألاباما الجنوبية، مؤلفة من رجل أرمل وابنه وابنته الصغيرين مع خادمتهم السوداء، تعاني من آثار التمييز العنصري في بلدتهم الصغيرة لأن رب الأسرة محامٍ يتولى الدفاع عن متهم أسود، تتهمه عائلة بيضاء باغتصاب إحدى بناتها. ورغم ضعف الأدلة التي لا تتعدى مرور الرجل اليومي من أمام كوخ العائلة في طريقه نحو كوخه، إلا أن شهادة الأسود أضعف من شهادة الأبيض، إضافة إلى أنها وحيدة أمام عدة شهادات مضادة، وهذه حقيقة كان مُسلّماً بها في ذلك الحين.

ترسّخ هذه الإدانة يأس السود من العدالة في المحاكم البيضاء، وتعمّق شعورهم بالدونيّة في المجتمع، كما أنها تخيّب آمال الجيل الجديد من البيض المناهضين للتمييز العنصري ومنهم ولدا المحامي أتيكوس التي تجري الرواية من وجهة نظرهما وتتفرع في كثير من مغامرات الصيف، وتحديداً الابنة الشقية سكاوت، الرواية وذات الأفكار المستنيرة الأكبر من سنواتها التسع، إذ إنّه بحسب رأيها "هناك نوع واحد من الناس. إنه الناس!"، وهي تستنكر التناقض الذي يعيش فيه البشر حياتهم، كأنهم حشد لا شخص واحد، وهي تعبّر عن ذلك بكل قوّة في إحدى المناقشات الناضجة مع أخيها، فبعد انتهاء المحاكمة سمعت معلمتها اليهودية تشيد بإدانة المتهم الأسود، قائلة إن هؤلاء أصبحوا بحاجة إلى تأديب وإنهم لن يتورعوا بعد قليل عن الاقتران بالبيض، بقولها في الرواية المكتوبة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية "كيف يمكن أن تكره هتلر إلى ذلك الحد، ثم تلتفت لتمارس بشاعتك على أشخاص موجودين في موطنك بالذات؟".