دوى انفجار مهول في مرفأ بيروت في الرابع من آب من الشهر الفائت. ومن اللحظة الأولى تبادر سؤال إلى الأذهان حول الانفجار، من أي زاوية نطل عليه ونقرأه؟ ولماذا تم في هذه اللحظة بالذات؟ لقد استُهدف لبنان في كثير من الأحيان بالانتهاكات والتفجيرات التي ارتكبتها جهات معروفة وغير معروفة، وفي أغلب الأحيان لم يُطالب أحد بمعرفة الفاعلين. كما لم يتفاجأ الكثير من الناس بهذه الأفعال. وبما أن إسرائيل تعلن في بعض الأحيان مسؤوليتها، فقد مال بعض المراقبين لاعتبار "إسرائيل" المسؤولة الأولى عن مثل هذا الفعل. لكن هذه المسؤولية لا تزال بحاجة إلى إثبات أو رفض. ومن هنا تأتي أهمية إجراء تحقيق محايد. لكن السؤال يظل قائماً مع ذلك: لماذا الآن وفي هذه اللحظة بالذات؟ ويمكن تسجيل جملة ملاحظات في محاولة إجابتنا عن هذا السؤال منها:

أولاً: أن الانفجار ترافق مع وصول الاضطراب السياسي إلى درجة وجوب اتخاذ قرارات بشأن الأزمة السياسية والاقتصادية والمالية، الناتجة عن الظروف السائدة في لبنان والعقوبات الأميركية المشددة

ثانياً: أنه ترافق مع صدور حكم المحكمة الخاصة باغتيال الرئيس رفيق الحريري.

ثالثاً: جاء الانفجار في لحظة أرادت فيها إدارة ترامب زيادة الضغط على لبنان للتأثير على سوريا وإيران والعراق ومحور المقاومة.

من هنا، يمكن للمرء أن يعتقد، من منظور جيوسياسي، أن تدمير ميناء بيروت يمكن أن يفتح الطريق لتقديم دور قيادي لطرابلس في شمال لبنان، مثلاً، أو لميناء حيفا. ومن منظور جيوسياسي أيضاً، لا يمكن للمرء قراءة المشهد بمعزل عن سؤال تأثير الانفجار على مشروع الصين لتوسيع "مشروع طريق واحد من الحزام" (طريق الحرير الشهير) نحو شواطئ البحر الأبيض المتوسط.

من هنا، وفي رأيي، يحاول ماكرون لعب دور بسيط إلى حد ما في مبادرته تجاه لبنان. وليس لدي أدنى شك في أنه أتم دوره وفقاً لما تتطلع إليه الولايات المتحدة. مع حرصه على عدم وجود أي إشارة صريحة في خطواته إلى موافقة أميركا والغرب عليها بطبيعة الحال. تبدو الأمور عند هذه النقطة شبيهة جداً بما حدث بعد فشل كولن باول في إقناع بشار الأسد بالتعامل مع أميركا (نهاية عام 2005). عندما عُهد إلى الرئيس السابق شيراك بأن يتولى الملف اللبناني والسوري نيابة عن أميركا. ويمكن أن نضع في عين الاعتبار جملة من النقاط أو الأهداف التي كانت حاضرة في ذهن ماكرون خلال زيارته إلى لبنان، منها:

- حماية ما تبقى من النفوذ الفرنسي في لبنان ومحيطه (راجع توقف ماكرون في بغداد بعد زيارته إلى بيروت).

- محاولة السيطرة على مستقبل البلاد ووضعها تحت رقابة "دولية" (من أجل خنق سوريا دون أي إشارة إلى سوريا) وتجميد التعاملات التجارية مع دمشق.

- منع فتح الطريق الواصل بين طهران وبيروت.

- منع لبنان من اللجوء إلى التمويل الصيني لإعادة الإعمار، وهو احتمال تصوره بعض القوى في لبنان باعتباره الحل الواقعي الوحيد للهروب من الإملاءات الغربية.

- ما هو على المحك أيضاً (وكثيراً ما لا يُحكى عنه) منع بدء أي تحقيق قد يكشف النقاب عن القصة الحقيقية للانفجار وعلاقاته بتركيا، أو الحرب السورية، وهو ما نلتمسه كثيراً من مداولات حول إعادة مساعدة الجماعات الإرهابية التي تقاتل الحكومة في سوريا.

وكان لافتاً حديث ماكرون في مؤتمره الصحفي عن القرار السياسي لإرسال مساعدات "دولية" من خلال المنظمات غير الحكومية، وإقصاء جميع القنوات الرسمية أو الحكومية. للتوضيح، هذه الإشارة الحصرية إلى المنظمات أو الجمعيات غير الحكومية المتكررة مائة مرة تكشف عن حقيقة النوايا الغربية والمتمثلة بـ: تغطية تدخل وسيطرة القوى الغربية على الشؤون الداخلية للبنان كالعادة.

في الآن عينه، أبرزت زيارة ماكرون للبنان معرفته الدبلوماسية الضعيفة وافتقاره إلى الحدْس السياسي. لم يحترم الضيف الفرنسي القواعد المعتادة للضيافة والمجاملة الدبلوماسية. هو أصدر الأوامر والنصائح والتوصيات للجميع. ولم يتردد في تهديد السلطات القانونية السياسية في البلد المُضيف: "إذا أخفقت السلطات اللبنانية في الوفاء بوعودها نهاية تشرين الأول، فستكون هناك عقوبات؛ لا "شيك" على بياض، ولا إعادة بناء خارج إطار صندوق النقد الدولي، ودون اللجوء إلى "المجتمع الدولي". هذه كانت الكلمات الرئيسية للـ"الرئيس الضيف". هذا الضيف الخاص، الذي اختار الذكرى المئوية لـ"لبنان الكبير" للقدوم إلى لبنان، أشار إلى طلب متطفل للغاية؛ "ميثاق وطني جديد" يحل محل اتفاقية عام 1943، في سياق بلد حزين للغاية. ولعل ومن بين أبرز الأمور التي لم يتم طرحها، برأيي، كانت مسألة الغاز والنفوذ السياسي الفرنسي شرقي المتوسط. فهذه الزيارة لا يمكن استقراؤها بعيداً عن سعي باريس لضمان موقف لبنان المؤيد لفرنسا ضد تركيا في منطقة البحر المتوسط.

إنني أتجاهل ما إذا كان يمكن توقع بعض النجاح من مبادرة الرئيس ماكرون، ولست متأكداً من إمكانية تصنيفها على أنها "مبادرة فرنسية". إذ يبدو أن قرار القدوم إلى لبنان بعد بضعة أيام من انفجار مرفأ بيروت قد تم اتخاذه بعد التنسيق مع الرئيس ترامب (هذا على الأقل ما فهمته من ملاحظة عرضية لماكرون).

لذا أعتقد شخصياً أن زيارة الرئيس ماكرون لا تبدو أنها ضد أي موقف أميركي، سواء بالقول أو الفعل. وعلى العكس من ذلك، يبدو الهدف والإطار العام للمسار الفرنسي مندرج في نطاق التصعيد الأميركي في المنطقة ولبنان، ويساهم بشكل كامل في زيادة الضغط على المقاومة اللبنانية ومحور "إيران والعراق وسوريا ولبنان" بشكل عام، إذا سلمنا أن لبنان شريك جزئي أو محتمل في هذا المحور. وسأذكر إشارة واضحة في هذا الصدد: واصل ماكرون رحلته في المنطقة متوجهاً إلى بغداد بعد مغادرته بيروت، واستمر في تقديم الدروس والتوصيات وتوزيع العلامات الجيدة على الحكومة العراقية، في محاولة للسيطرة على التحولات الآخذة في الوقوع. الهدف واضح إذاً، ويتمثل في نبذ المقاومة، ومحاولة عزل سوريا المجاورة لكلا البلدين.

من الواضح تماماً أن ما يسمى بالضغوط الأميركية، وما يسمى بمبادرة ماكرون كذلك، تهدف إلى تحويل أو منع أو إقناع الدولة اللبنانية بالانحياز لهذا المحور (محور المقاومة)، الذي تستهدف سياسته بحزم المشروع الأميركي والأوروبي والإسرائيلي ويحول دون إعادة رسم الخريطة الجيوسياسية للشرق الأوسط بما تمليه هذه القوى.

 

المجتمع الدولي، وإمكانية مساعدة لبنان:

لننسى "المجتمع الدولي". هذا التعبير الذي يستخدم بشكل شائع ومفرط يضلل الرأي العام في جميع أنحاء العالم، مما يخلق أو يعزز الوهم بأن ثلاث دول غربية، أعضاء دائمون في مجلس الأمن، وهي قوى نووية، مكلفون بالتحدث واتخاذ القرارات نيابة عن الأمم المتحدة. نشأ هذا المفهوم الزائف والخطأ في أعقاب سقوط الاتحاد السوفيتي، وبرز لمدة عقدين من الزمن، ولا يزال قائماً حتى اليوم. إنها مجرد واحدة (من بين أمور أخرى) التي يمكن اعتبارها من آثار الخدع السيئة التي تشكل جزءاً من ترسانة القوة الناعمة الغربية، لكنها نجحت، وللأسف.

في ظل هذه الظروف، لن تهتم القوى الثلاث التي أشير إليها (أي فرنسا، بريطانيا، الولايات المتحدة) بالإضافة إلى ما يسمى بـ"البلدان ذات التفكير المماثل" في طرق إخراج لبنان من أزمته، فهي مسؤولة رئيسية عن الوضع المأساوي السائد في المنطقة كلها (الممتدة من المحيط الأطلسي إلى الشواطئ الشرقية من المحيط الهادئ في آسيا). ومن الواضح أن المشاكل اللبنانية لا يمكن معالجتها بمعزل عن سياق اضطراب الشرق الأوسط الكبير، كما اعتاد الزعماء الغربيون والسياسيون أو المفكرون الاصطلاح عليه. إن نهجهم بالضبط هو النهج الأميركي الشبيه بفترة كيسنجر أوائل السبعينيات: "فرّق تسُد". هذا هو النهج الفرنسي منذ العودة المعروفة إلى "المهد" الأطلسي، قبل عشرين عاماً، جنباً إلى جنب مع التضامن غير المشروط والقرب من الولايات المتحدة و"إسرائيل".

 

الحياد كحلم غربي:

لا يمكن اعتبار الدعوات إلى الحياد بريئة. الحياد هو حلم الغرب (الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا) ليلاً ونهاراً وحلم "إسرائيل". لقد كان مفهوم الحياد في أصل إنشاء فكرة لبنان الكبير، الذي يتم الاحتفال بمئويته الآن. ولا داعي للتذكير بأن الحياد يهدف أساساً إلى تحييد أي دولة أو إخراجها من أي صراع أو مواجهة. وكأنها غير مهتمة، أو متورطة، في مشاكل وشؤون المنطقة التي تقع فيها. لا يمكننا القول إن مثل هذا الطلب هو مطلب سياسي حقيقي وليس مصدر تفكير استعماري أو إمبريالي نموذجي. لقد رأينا أنها كانت ولا تزال استراتيجية جميع الحكومات الأميركية، وتحديداً فيما يتعلق بالشرق الأوسط والدول العربية في مواجهة "إسرائيل". ولنتذكر، استند نهج كيسنجر إلى مبدأ عزل كل من الدول العربية وإن أمكن تحييدها، وجعلها توقع اتفاقيات سلام منفصلة مع "إسرائيل".

وهذا بلا شك هو المتوقع والمطلوب من لبنان: قطع أي صلة وإغلاق الحدود إن أمكن مع سوريا. لكنه سيكون خياراً غبياً للغاية بالنسبة للبنان فيما لو قبَل فيه. لأن لبنان وسوريا مرتبطان ارتباطاً وثيقاً بالتاريخ والجغرافيا والجغرافيا السياسية. وسيكون مميتاً الدخول في هذه الخطة الغربية والإسرائيلية لمحاولة خنق سوريا بهدف تأمين مستقبل لبنان. سوريا بالطبع تعتمد بشكل كبير على لبنان، لكن لبنان ليس أقل اعتماداً على سوريا مهما كان الأمر.