لا يمكن قراءة الانتخابات الإسرائيلية بمعزل عن صراع الاتجاهات العالمية اليوم. في الحيثيات، لا يبدو أن هناك فارقاً جوهرياً بين نتنياهو ومناوئيه. نعم، قد يؤمن بعض الإسرائيليين لأسباب داخلية أن على نتنياهو الرحيل من مكتبه في رئاسة الوزراء. أنا لا أريد الاستخفاف بهذه المسألة، لكن كلاً من نتنياهو ومناوئية سيان في السياسات الكبرى وفي غالبية العناوين التي يدور النقاش حولها في "اسرائيل". ومع ذلك، ثمة سؤال معلق في المشهد الإسرائيلي اليوم: لماذا يبقى نتنياهو مع كل هذه الفضائح في الحكم ويعاد انتخابه؟. هو سؤال محيّر لمناوئي سياسات هذا الرجل خارج "إسرائيل". أقول ببساطة: لأن سياسته ناجحة على المستويين الاقتصادي والسياسي إذا ما أخذناهما من زاوية المشهد الدولي. هو ماض بطريقه؛ طريق الدولة الإسرائيلية. لكني لا أعتقد أن نجاحه يعود لمجهود شخصي، بل إلى كون "الشعب الإسرائيلي" وخياراته يمينية بطبيعتها. فعندما ينظر هذا "الشعب" إلى ترامب على سبيل المثال، ينظر إليه باعتباره مرآة له؛ وكأنه ينظر لنفسه. هذا هو النموذج الذي يريده الإسرائيليون. ترامب بنظر الإسرائيليين "صوت التفوق العرقي اليهودي". لكن في الحقيقة ثمة شيئان يجب إيضاحهما في ما يخص "اسرائيل":

أولاً: إن الإشكالية في سياسة "إسرائيل" ليست إشكالية حكومة يمينية متطرفة بل هي تتعلق بدولة يمينية متطرفة، وهذة مسألة أخرى. من وجهة نظري، ثمة اختلاف بين الدول/ البلدان اليمينية، والدول ذات الحكومات اليمينية. لو أخذنا حالة الولايات المتحدة مثلاً، هناك رئيس يميني متطرف كترامب، في المقابل هناك بيرني ساندرز الذي يعبر عن شريحة واسعة من المناوئين لترامب من الشعب الأميركي. في حالة البرازيل، هناك الرئيس اليميني جايير بولسونارو. لكن أيضاً، هناك لولا داسيلفا، الذي يعبر عن نصف البرازيليين، حتى لو وإن تراجع لوهلة، أو لم تسعفه الحملة الانتخابية في النجاح، لكنه حاضر على مستوى الوجدان الشعبي. في حالة بريطانيا، هناك اليمين، ممثلاً ببوريس جونسون لكن هناك أيضاً نوع من اليسار المنظم، يعبر عنه جيرمي كوربان، ويشكل قطاعاً واسعاً من الناس. وهذا ما لا يمكن أن نجده في "إسرائيل". في "إسرائيل" ليس هناك وسط ولا يسار، بل يمين، وأكثر يمينية. يشبه الحال بنحو كبير مرحلة حكومة الباسكاب/البيض في جنوب أفريقيا، أثناء مرحلة الفصل العنصري.

أما النقطة الثانية فتكمن في أن نتنياهو محاط بجملة الفضائح، لا تقتصر على ما نشاهده اليوم فحسب، بل هي ممتدة لأكثر من عقد من السنين. وبالرغم من الصورة المهتزة لنتنياهو، إلا أنه لا زال يلعب دور المفتاح لشبكة كبيرة من العلاقات، لأناس متورطين بهذه الفضائح، ليس على مستوى الداخل الإسرائيلي فحسب، بل ودولياً حتى. وهو ما يفسر تولي نتنياهو رئاسة أطول فترة حكم في "إسرائيل" تجاوزت مدة حكم بن غوريون.

لذا، ينبغي أن نفهم التصويت في اسرائيل ببعده الأوسع. فهو تصويت من أجل اسرائيل كفكرة وغاية متطرفة بطبيعتها، وهو تصويت يعبر عن حقيقة بنية المجتمع الصهيوني، بأفكاره وشخصيته، وأيديولوجيته، وتطلعاته المستقبلية.

ثمة ما هو متداخل ما بين السياستين الأميركية والإسرائيلية، كما بين نخب الدولتين، وسأقول لبعض الأسباب السياسية، أن ليس هناك الكثير من الاختلاف بين الديمقراطيين والجمهوريين. يمكنك، إذا ما استثنيت بيرني ساندرز – وهو ليس ديمقراطياً -، التماس السياسات الأحادية في أميركا. يظهر ذلك في الموقف من السياسات الإسرائيلية عموماً؛ في نقل السفارة الأميركية إلى القدس، حيث يتخذ الديمقراطيون والجمهوريون الموقف نفسه. كما في مجمل القضايا التي تمس أمن "إسرائيل".

معضلة سليماني:

لم يتم التركيز بشكل كاف حول الدوافع التي دفعت ترامب للقيام بالاغتيال. قناعتي أن الإسرائيليين هم من دفعوا بهذا الاتجاه، وهم من ضغطوا من خلف الكواليس. وقد تكون بعض الأنظمة العربية المتعاونة مع اسرائيل قد أيّدت اغتيال سليماني، فهي لا تفهم السياسة إلا من منطلق القوة والغلبة. وقد تكون أيدت الاغتيال نتيجة خوفها من إيران وتطلعاتها. إلا أن هذه النقطة بالتحديد هي ما تريد "اسرائيل" من العرب أن يبقوا رازحين تحت ثقلها. تريد "اسرائيل" أن تقول للعرب أن لها اليد العليا، وهي القادرة دوماً على الفعل والقتل. لكن مخرجات الأمور لا تبدو كمدخلاتها.

بالنسبة للإيرانيين وحلفائهم، من مثل السيد نصر الله، هم يقرؤون الأمور بعقل أكثر استراتيجية وعلى مدى أبعد، فاسرائيل اغتالت من قبل قيادات من الصف الأول في حزب الله بسبب نفاذ يدها الاستخبارية في لبنان، لكن السيد نصرالله فرض منطقاً ومعادلة تقضي بأن يفرض هو الحرب في الزمان والمكان المناسبين، لا بحسب الزمان والمكان الذي تريده "إسرائيل".

ردت إيران على اغتيال سليماني بقصف قاعدة عين الأسد. لكني لا أعتقد أن هذا الرد هو أقصى ما يفكر به الإيرانيون. مرة جديدة، ومن منظوري الشخصي، أعتقد أن مخرجات الأمور ستسير على النحو التالي: الإيرانيون ليسوا مستعجلين في خطواتهم، هم يفكرون بنحو استراتيجي، ويريدون هزيمة ترامب في قلب الولايات المتحدة في تشرين الثاني القادم، إنه السبيل الوحيد لرفع العقوبات الأميركية على إيران.

لذا أعتقد أنه وبحلول آب – أيلول، سنشهد في العراق انتفاضة شعبية، منسقة، لقوى مختلفة، لاخراج الجيوش الأجنبية في العراق، وعلى رأس هذا الجيوش الأجنبية؛ القوات الأميركية.

ستفضي هذه الثورة أو المقاومة، بكل تأكيد، لضرب بنية إدارة ترامب وصورتها أمام الرأي العام الأميركي. طبعاً أنا لا أقول بأن ذلك سيغير من مزاج الناخب الأميركي كلياً، لكنه بالتأكيد سيترك أثراً ما على وضعية ترامب في المنظومة الداخلية الأميركية. إذ سيُقال أن ترامب خسر العراق، وبنفس ما حصل في الخمسينيات، عندما سقطت إدارة ترومان [نتيجة ارتباكها في حسم الحرب الكورية]، وعجزت إدارتي ترومان وأيزنهاور عن التعاطي مع الثورة الشيوعية في الصين. وهكذا، فسنكون اليوم أمام موقف مشابه؛ سيقول الرأي العام للإدارة أنك سبب خسارتنا العراق، كما خسرنا من قبل الصين.

إن اشتعال العراق، كما أقدّر، لا شك سيجعل قدم ترامب تنزلق ومعها إدارته قبيل الانتخابات، وهذا مما لا شك به. ولنتنبّه، الإنتخابات محطة مفصلية لا على المستوى الداخلي الأميركي فحسب، بل بالنسبة للكثير من الأنظمة المرتبطة بالإدارة الأميركية راهناً، ومن هذه الأنظمة أذكر السعودية. لقد أحدث مقتل الصحافي الخاشقجي في الولايات المتحدة ردة فعل تجاه السعوديين قبيل سنوات، كما أدى أيضاً إلى فتح عيون الرأي العام الأميركي على التجاوزات السعودية في حربها على اليمن. اليوم تقف السعودية في موضع صعب. هي تعلم علم اليقين، أن أي تحول في الولايات المتحدة سينتهي بخسارتها حرب اليمن، خاصة إذا ما انتخُب ساندرز، إذ سيعني انتخابه، وبشكل قاطع انتهاء الحرب السعودية على اليمن، بخسارةٍ سعوديةٍ قاسيةٍ.