للقارة الإفريقية تاريخ طويل مع ظاهرة القرصنة البحرية عبر سواحلها سواء كانت الشمالية أو الشرقية أو الغربية منها، وفي السنوات الاخيرة وبداية من الالفية الجديدة شهدت القارة مشاكل أمنية أثرت على مستوى الاستقرار المجتمعي فيها تمثلت في انتشار وأضح لظاهرة الإرهاب من جهة ومن جهة أخرى وجود مشاكل أمنية تعود إلى هشاشة أغلب النظم السياسية الحاكمة في هذه الدول.

فمن المعروف أنه في غرب وشرق القارة الإفريقية تتصاعد المشكلات المتعقلة بعدم الاستقرار السياسي والاقتصادي وهو ما ينتج عنه تزايد وتشجيع الجماعات الاجرامية بكافة اشكالها على ممارسة العنف مرور بزيادة هجمات القرصنة البحرية  ويعتبر من أكثر المناطق البحرية تضرراً غرب القارة الإفريقية وشرقها.

ويتعبر جزء أساسي جزء أساسي في الاختلاف بين كلاً من القراصنة في السواحل الصومالية والقراصنة في خلبج غينيا، أن القراصنة الصوماليين كانوا يستهدفون السفن كجزء من مخططات الاختطاف مقابل الفدية، بينما في غرب إفريقيا قام الاختطاف على أساس امتصاص حمولة السفن من مواد سواء كانت نفط أو غيرها بهدف بيعها في السوق السوداء، ما يعني أن الهجمات التي تقع في غرب إفريقيا تتم في المياه الوطنية وليس في المياه الإقليمية، ويعني ذلك أن المسؤولية الأمنية هنا تقع على الدولة.

وتصاعدت الحوادث على السفن المتجهة إلى غرب إفريقيا بشكل مطرد في السنوات الأخيرة، حيث استهدفت الهجمات الطاقم وليس السفينة أو حمولتها، على الرغم من التراجع العالمي للقرصنة العام الماضي، إلا أن خليج غينيا لم يشهد هدوء في هجمات وحودث القرصنة خاصة قبالة الساحل النيجيري.

ماهية القرصنة البحرية:

انطلقت عدة تعريفات لتناول  ظاهرة القرصنة البحرية واتفقت كل هذه التعريفات بتشييء صورها على أن القرصنة البحرية كل عمل يقوم على تبني فعل جسام يضر بالبشرية، وتنوعت هذه التعريفات ما بين  التي حاولت وضع تعريف محدد يفسر طبيعة هذا الفعل الإجرامي إلى تلك التي تناولت كافة أبعاد هذه الجريمة من كافة الإتجاهات  والنواحي والتي تتعدد ما بين ما هو سياسي واقتصادي واجتماعي وأمني.

ويعتبر تعريفات الأمم المتحدة لظاهرة القرصنة البحرية أحد من أهم المرجعيات التي عادة ما يتم اللجوء إليها لتعريف هذه الظاهرة، ففي اتفاقية "جنيف لاعالي البحار" عام 1958 وهي تعد أول اتفاقية تتناول القرصنة البحرية حيث جاء في المادة (15) منها  تعريف لهذه الظاهرة على أنها(أي عمل يهدف إلى التحريض للقيام بالاحتجاز والعنف أو المشاركة بشكل اختياري في إدارة سفينة بهدف القرصنة)[1].

وبسبب ما رأه البعض نقصاً في تحديد أبعاد هذه الظاهرة في اتفاقية جنيف قدمت  الأمم المتحدة تعريف أخر في عام 1982  وذلك كان في "الاتفاقية الشاملة لقانون البحار" في المادة (101) من القانون  حيث تم تعريف الظاهرة على أنها( أي عمل غير قانوني من أعمال العنف أو الاحتجاز يرتكب لأغراض خاصة ضد طاقم أو ركاب السفينة أو ضد أشخاص وممتلكات على ظهر تلك السفينة في أعالي البحار وخارج ولاية الدولة)[2].

وقبل عام 2000 لم يميز المشرع الدولي بين القرصنة البحرية والسطو المسلح وتم التفرقة بينهم في ذلك العام، وفي العام 2002 وضعت الأمم المتحدة التوصية رقم (922) بشأن القرصنة البحرية والسطو المسلح على السفن[3]، وبالتالي أصبح الفرق بينهما هو طريقة الاستيلاء حيث أن القرصنة تعتمد على الظهور والعنف بينما السرقة والسطو تقوم على الاختفاء[4]،  كما  أقرت الأمم المتحدة بإنشاء "اللجنة البحرية الدولية" لوضع قانون داخلي موحد للقرصنة البحرية بالإضافة إلي المكتب الدولي البحري[5]، ويتضح من هذه التعريفات أنها تركز على الغاية من أعمال القرصنة وهو التخريب عن عمد.

القرصنة البحرية في غرب إفريقيا:

تعتبر ظاهرة القرصنة البحرية واحدة من المشاكل التي تعاني منها القارة الإفريقية ففي الشرق وفي السواحل الصومالية انتشرت في السنوات العشر الأولى من الألفية الجديدة هذه الظاهرة وكانت تمثل خطراً كبير على مستقبل الملاحة البحرية في تلك البقعة من العالم ومع تظافر الجهود الدولية تم الحد من انتشار هذه الظاهرة بشكل كبير ولكن على الرغم من هذا فإن أزمة القرصنة البحرية أمتدت إلى أقاليم ومناطق أخرى من القارة وتحديداً في الغرب منها في خليج غينيا.

ويمتد خليج غينيا من السنغال إلى إنجولا ويغطى أكثر من 6000 كلم من الخط الساحلى وهو مكون من 20 دولة ساحلية وجزيرة ودول غير ساحلية وينقسم إلى منطقتين هما غرب إفريقيا ووسط إفريقيا ويعتبر حوض هذه المنطقة ذو أهمية جغرافية وسياسية لنقل البضائع من وإلى وسط وجنوب إفريقيا بالإضافة إلى ذلك فهي نقطة هامة لتجارة الطاقة الإفريقية[6].

تصعيد مستمر:

تشهد ظاهرة القرصنة البحرية في غرب إفريقيا إرتفاع ملحوظ وفقا للأرقام والاحصائيات التي تتناول هذه الظاهرة عالمياً، وتتعدد الداوافع التى تؤدى إلى القرصنة البحرية على السواحل الإفريقية من الحرمان الاقتصادي وهشاشة الدولة وعدم امتلاك القدرة على إنفاذ القانون مروراً بغياب التشريعات والاحكام القضائية وهو ما فتح المجال أمام تصاعد جرائم أخري نتيجة للقرصنة أو جزء منها كجريمة الاتجار بالبشر وتنامي ظاهرة الهجرة غير الشرعية[7].

ووفقاً لتقارير صادرة عن المكتب البحري الدولي في الفترة من 2013 وحتي 2017 فإن ساحل غرب إفريقيا شهد 288 عملية قرصنة فيما يمثل نسبة 26% من عمليات القرصنة التي شهدها العالم في تلك الفترة وشهدت السواحل النيجيرية 46% من هذه الاعتداءات، وكان عام 2016 هو العام الاكثر سخونة في العمليات التي وقعت في سواحل خليج غينيا حيث شكلت نسبة الاعتداءات التي وقعت في تلك المنطقة ربع الاعتداءات العالمية[8].

وواستمراً لهذه الظاهرة، شهد  خليج غينيا في الربع الاول من العام 2020 حوالي 45% من جرائم القرصنة العالمية تم الابلاغ عن (47) حادثة في هذه المنطقة بزيادة قدرها (38) حادثة عن العام الماضي استهدف اغلبها سفن وحاويات وناقلات بضائع[9].

ويعتبر من أشهر جماعات القرصنة في غرب إفريقيا عناصر من "حركة تحرير دلتا النيجر" والتي تأسست في الفترة بين عامي 2005-2006 وتعود جذورها إلى فترة التسعينيات وذلك عندما قام مجموعة من السياسيين بتمويل شباب الجامعات وتسليحهم لتصفية حسابات سياسية مع معارضين في البلاد في ذلك الوقت، تعتبر هذه الجماعة أن ما تقوم به من قرصنة يقع ضمن تحقيق العدالة الاقتصادية في البلاد[10].

تكتيكات متنوعة:

يبتكر المهاجمون اساليب وتكتيكات متنوعة للهجوم على السفن هذا على الرغم من أن الكثير من النشاط الإجرامي في غرب إفريقيا يصنف على أساس أنه سطو مسلح وليس قرصنة وهذا لأن معظم هذه الهجمات تقع داخل المياه الاقليمية لدولة معينة في حين أن جرائم  القرصنة ينظر إليها على أساس أنها  تقع في المياه الدولية.

وغالباً ما يشن القراصنة بغرب إفريقيا هجمات في المياه الإقليمية لدولة ما ثم الفرار للانتقال نحو سيادة دولة  أخرى، وذلك بسبب غياب واقعي لترسيم الحدود البحرية بين الدول الواقعة على ساحل خليج غينيا، مما يعيق التعاون بين الحكومات الإفريقية وبعضها البعض[11].

وتعتبر ناقلات النفط من أكثر الأهداف استهدافاً من قبل القراصنة في تلك المنطقة وذلك يرجع إلى أن خليج غينيا يضم العديد من الدول التي تمتلك ثروات نفطية هائلة، وقد تنوعت الاشكال التي يتخذها القراصنة في الهجوم وذلك على النحو التالي:

  • استهداف البضائع: يقوم المهاجمون بالسيطرة على البضائع وتموين السفن بالوقود بل كانوا يسحبونه من على متن السفن لبيعه في السوق السوداء[12]، وعادة فإن مثل هذه الهجمات تكون قليلة المخاطر ومرتفعة الارباح[13]، حيث يتم احتجاز السفينة بالكامل بهدف نهب ما عليها من مواد وبضائع خاصة المواد النفطية التي يتم شحنها وبيعها في السوق السوداء وقد شهد عام 2017، (16) هجوم من هذا النوع حول العالم كان نصيب خليج غينيا منه 7 هجمات.
  • اختطاف بهدف الفدية: تتسم هذه الظاهرة بسمة عمليات اختطاف طاقم السفينة أو أحد افرادها دون السيطرة على السفينة ككل، نفذت اغلب هذه الاعتداءات على المراسي وقبالة السواحل ويتم فيها استخدام الاسلحة النارية لاخذ طاقم السفينة كراهائن ، وأشار أحد التقارير في عام 2019 أن البحار الواقعة في الساحل الغربي من القارة الإفريقية هو الأخطر في العالم بالنسبة للشحن البحري[14].

شهدت المنطقة أكثر من 90% من عمليات الاختطاف العالمية لأفراد طاقم السفن البحرية فقد شهد عام 2019 (121)عملية اختطاف قرابة سواحل غرب إفريقيا بل أنه في الربع الاخير فقط من العام نفسه اختطف(64) فرد من طواقم السفن في 6 حوادث مختلفة، بينما شهد عام 2018 (78) عملية اختطاف في نفس المنطقة.

ووفقا "للمكتب البحري الدولي" شكلت المنطقة الممتدة من ساحل ليبيريا إلى انجولا 86% من جرائم الاحتجاز و82% من عمليات اختطاف أطقم السفن البحرية خلال عام 2019 وأشار المكتب أن أغلب هذه الجرائم تقع في قبالة المياه الإقليمية النيجيرية بالقرب من الميناء الرئيسي للعاصمة[15]، وأكد على ذلك ما صرح به رئيس قسم السلامة والأمن البحريين في مجلس البلطيق والبحر الدولي في كوبنهاجن" جاكوب لارسن" عندما قال "إن القرصنة في خليج غينيا تنطلق بشكل حصري من نيجيريا، فالقراصنة يستخدمون دلتا النيجر كنقطة انطلاق لشن هجمات على سفن  الشحن عبر الجزء الشرقي بأكمله من خليج غينيا ويأخذون رهائن  ويحتجزونهم مقابل فدية في معسكرات في دلتا النيجر"[16].  ومنذ يناير 2020 اختطف (77) بحار واخذوا كرهائن من أجل الحصول على الفدية بالقرب من السواحل االنيجيرية هذا على الرغم من أن الحكومة النيجيرية تمكنت في الربع الثالث من عام 2018 من خفض عدد هجمات القرصنة عبر سواحلها من 41 إلى 29.

حلول ومعالجات:

لا يزال تأثير القرصنة على الملاحة البحرية في خليج غينيا وسلامة السفن مدعاة للقلق هذا بالإضافة إلى التأثير على النشاط البحري والتنمية الاقتصادية في هذه المنطقة وتشير تقارير إلى أن الضرر العالمي الناتج عن القرصنة في ساحل خليج غينيا يتراوح ما بين 6.6 و 6.9 مليار دولار سنوياً من خلال الاحتيال والسطو أو فقدان البضائع أو التأخير في تسليم البضائع، كما أكد مدير المكتب البحري الدولي "مايكل هوليت" أن هذه المنطقة مستمرة في تسجيل ارتفاعاً غير مسبوق في عمليات اختطاف أطقم السفن.

وتشير هذه الاحصائيات إلى دلالة هامة وهي أهمية زيادة تبادل المعلومات والتنسيق بين السفن ووكالات الاستخبارات في منطقة خليج غينيا، وفي هذا الاطار تجدر الاشارة إلى أن جزء أساسي في حل هذه المشكلة يتمثل في وجود معالجات على مستوى وطنى وأخر إقليمي وذلك على النحو التالي:

  1. معالجة المشاكل المجتمعية وإعادة توزيع الثروة: من المفارقات الكبيرة في ظاهرة القرصنة بخليج غينيا  أنه على الرغم من اكتشاف الكثير من الثروات النفطية في أغلب دول الساحل إلا أن ذلك لم يحد من مشاكل الفقر بل زادها وهو ما تترتب علية مشاكل عدة تمثلت في زيادة المشكلات الاجتماعية والتوترات العرقية، مما أدى إلى فقدان الدولة المركزية القدرة على السيطرة.

فما حدث هو أن هذه الثروة استفاد منها فقط قطاع النخب وشركات النفط دون غيرها وهو ما نتج عنه تحول بعض المستبعدين من هذه العوائد وفقدان الدولة القدرة على تقديم الرعاية الاجتماعية إلى الجريمة البحرية عبر قراصنة النفط، ولذلك فإن الحل يتمثل في إعادة توزيع الثروة حتي تتمكن الدولة من القيام بدورها في  وظيفة الرعاية الاجتماعية[17].

  1. التعاون الإقليمي بين دول الساحل: يعتبر التعاون الإقليمي آلية مركزية هامة في مكافحة الجريمة البحرية بشكل عام،فهناك ما يفوق الـ 950 ميلا من السواحل بحاجة إلى الحماية المشتركة، وبالتالي فإن السلامة المرورية في هذه المناطق بحاجة إلى التعاون لتحقيق أقصى درجة من الاستفادة، ويتم هذا التعاون وفقا لما جاء في مدونة ياوندي لقواعد السلوك البحري( Yaoundé Code of Conduct) والموقعة في عام 2013 بمشاركة 25 دولة إفريقية وتنص على التعاون في مكافحة الجريمة المنظمة والقرصنة البحرية لكل الدول المتشاطئة على ساحل خليج غينيا وانشاء مركز التنسيق الأقليمي[18].

[1]  صلاح محمد سليم، القرصنة البحرية، (الرياض: مكتبة القانون والاقتصاد، الطبعة الأولى، 2014)، ص36.

[2]  محمد بن عبد العزيز سعد اليمني، القرصنة البحرية (دراسة فقهية مقارنة) في المجلة العربية للدراسات الامنية والتدريب، (الرياض:جامعة نايف العربية للعلوم الامنية، المجلد(28) العدد(55)، يونيو 2012)، ص211.

[3]  صلاح محمد سليم، مرجع سابق، ص8.

[4]  محمد بن عبد العزيز سعد اليمني، القرصنة البحرية (دراسة فقهية مقارنة)، مرجع سابق ، ص 217.

[6] Eric Pichon with Marian Pietsch, ‘Piracy and armed robbery off the coast of Africa’, European Parliament, March 2019, p.6.

[7]  منظمة الشرطة الجنائية الدولية (الانتربول)، معهد الدراسات الامنية، تقيم استراتيجي لمشروع ENACT: لمحة عامة عن الجريمة المنظمة والخطيرة في أفريقيا، 2018، ص43.

[8]  المرجع السابق، ص43.

[9] Gulf of Guinea Re-Emerges as Hotspot for Piracy, Allianz Says, Bloomberg, at: https://bloom.bg/2QivAcI.

[10] Josh Margolin, US Sailors Held Hostage Off Nigeria Freed, ABC News, at: https://abcn.ws/34mv4Tt.

[11] Stephen Starr, Maritime Piracy on the Rise in West Africa, The Combating Terrorism Center, Vol (7), Issue (4), April 2014, p.23.

[12] Maisie Pigeon, Kelly Moss, Why Piracy Is a Growing Threat in West Africa’s Gulf of Guinea, World Politics Review, at: https://bit.ly/3hsGkBe.

[13]  منظمة الشرطة الجنائية الدولية (الانتربول)، معهد الدراسات الامنية، مرجع سابق، ص 44.

[14] Piracy in West Africa: The world's most dangerous seas? BBC, at: https://bbc.in/2Er2s0f.

[15] Why are there so many pirates in West Africa?, How we made it in Africa, at: https://bit.ly/3hhunP0.

[16] Gulf of Guinea Re-Emerges as Hotspot for Piracy, Allianz Says, op.cit.

[17]   Eric Pichon with Marian Pietsch, ‘Piracy and armed robbery off the coast of Africa’, op.cit, p.8.

[18] Dirk Siebels, Gulf of Guinea: fighting criminal groups in the Niger Delta is key to defeating piracy, The Conversation, at: https://bit.ly/3hoSnja