"أنا الذي أشرفتُ على تأهيلهم. شاركنا سوية في عشرات العمليات، ما من أحد يريد قول الحقيقة".

قائد وحدة الكوماندوس البحرية السابق، يوآف غالانت

***

بعد 23 سنة، وأربع لجان تحقيق وثلاث روايات، أقر الجيش الإسرائيلي بكارثة الكوماندوس البحري في قرية أنصارية جنوبي لبنان عام 1997، والتي نجمت عن "كمين أنصارية" فجر الخامس من أيلول عام 1997.

كل الاستنتاجات، التي كُشَف بعضُها للمرة الأولى قبيل ثلاث سنوات فقط، تدل على عمق الأزمة والقصور؛ حزب الله التقط خمس ساعات من بث الطائرة الصغيرة من دون طيار بالفعل من قبل العملية. ليس هذا فحسب، القصور طال الجنبة الإجرائية من العملية نفسها؛ بلاغ عن سيارة مشبوهة لم يتم تحويله إلى القوة المعنية جراء خلل في سلاح البحرية. وأكثر، لقد كشف تقرير الطب الشرعي أن المشكلة لم تكن في العبوات التي كان يحملها الجنود. بل في أن ثمة كمين محكم.

***

جرى التقييم الأول من قبل سلاح البحرية في جلسة مغلقة بعد أيام قليلة من كارثة وحدة الكوماندوس البحري (المعروفة في "إسرائيل" بإسم شيّيطِت13)، وكانت الجلسة كافية لضمان عدم إخضاع هذه الحادثة المأساوية لأي تحقيق عسكري جدي وإبقائها موضع جدل جماهيري لسنوات. "الضباط الكبار من وحدات الاستخبارات والعمليات في قيادة سلاح البحرية فهموا الإشارة بصورة فورية وسارعوا إلى التعاقد مع محامين، كل على حدة. يقول أليكس فيشمان في تحقيقه عن العملية قبيل ثلاث سنوات في يديعوت: لم يكن البحث يجري عن الحقيقة العملياتية لاستخلاص العِبر، بل عن متهمين بالمسؤولية في مركز القيادة التابع لسلاح البحرية، الذي أشرف على إدارة عملية "نشيد الحوْر" في بلدة أنصارية ليلة 5 أيلول 1997.

بموازاة جلسة قيادة سلاح البحرية هذه، أجرت شعبة الاستخبارات العسكرية - "أمان" نقاشاً حول الموضوع في السادس من أيلول بعد يوم واحد على العملية، عرض خلاله رؤساء وحدات جمع المعلومات والأبحاث أمام موشي يعلون، رئيس الشعبة آنذاك، وجهات نظرهم بشأن ظروف العملية وفشلها. لخّص رئيس شعبة الاستخبارات ما جرى بالتالي: وقع الانفجار الأول والذي يظهر في أشرطة التصوير من طائرة التجسس بين أفراد القوة (العسكرية). وكان استنتاج رئيس "أمان" قاطعاً بأنه لم يكن هناك أي تدخل من العدو في الحادثة. وبكلمات أخرى، لم يكن "حزب الله" يمتلك أية معلومات في وقت حقيقي عن وجود القوة العسكرية في المنطقة. هكذا تبلور المفهوم الذي يجزم بأن القوة أصيبت جراء انفجار عبوات كان يحملها الجنود على ظهورهم. 

حملت الأيام الأولى بعد وقوع العملية احتداماً في المعركة بين شعبة الاستخبارات العسكرية (أمان) وسلاح البحرية. في "أمان"، سخروا من الطريقة التي شغّل بها سلاح البحرية الطائرات الصغيرة بدون طيار. وادّعت شعبة الاستخبارات بأنها حولت إلى استخبارات سلاح البحرية، قبل الحادثة بيومين اثنين، معلومات هامة أشارت إلى احتمال حصول تغييرات في استعدادات "حزب الله" في ذلك القطاع، غير أن سلاح البحرية لم يولِ تلك المعلومات أهمية كافية. وظل التراشق بين الطرفين مدة 20 عاماً.

 

أسئلة معلقة:

ثمة حقائق واضحة وأجوبة راسخة في الاستنتاجات التي قدمتها اللجان المختلفة للتحقيق في كارثة "نشيد الحور"، منها:

- كان مخطط العملية أن تكون سرية، وفي عمق الأراضي اللبنانية.

- الهدف: وضع عبوتين ناسفتين كبيرتين وخاصتين من صنع الجيش الإسرائيلي، من إنتاج "يفتاح"/ وحدة تطوير الوسائل القتالية.

- تولى قيادة العملية المقدم يوسي كوركين، قائد وحدة المقاتلين في السرية. وأشرف قائد سلاح البحرية آنذاك، اللواء أليكس طال، عليها.

- شارك في العملية 16 مقاتلاً من طواقم مختلفة تابعة للسرية 13. بالنسبة لأربعة منهم، كان ذلك النشاط العملياني الأول الذي يشاركون فيه. بالتزامن والتوازي مع ذلك، كانت السرية تستعد لتنفيذ عمليتين أخريين، إحداها في مكان بعيد عن حدود إسرائيل، بحيث تدرب الجنود في الوقت ذاته على نماذج عدة لعمليات مختلفة.

- نزلت القوة إلى الشمال من مدينة صور وبدأت التحرك برّاً. قبل وقوع الكارثة بنحو ساعتين، لاحظت طائرة الاستطلاع والمراقبة التابعة لسلاح الجو، والتي رافقت القوة، أن مركبة قد توقفت على أحد المحاور في المنطقة الزراعية، قريباً جداً من المنطقة التي سيتم فيها تفعيل العبوتين الناسفتين في وقت لاحق. لم تبث الطائرة الصور، بل وثقتها فقط، لكن الطيارين أبلغوا غرفة القيادة في سلاح البحرية في مقر قيادة الجيش - في بث مُشفّر - بأمر المركبة التي توقفت لبضع دقائق قرب مسار تحرك القوة لاحقاً، وأشاروا إلى مكانها الدقيق. تم في غرفة القيادة تعليم مكان المركبة في نقطة أخرى مختلفة عن النقطة الحقيقية، التي أبلغ عنها الطيارون. ولأن المكان الخطأ الذي تم تعليمه كان بعيداً عن منطقة عمل القوة، فقد جرى تجاهله. لم يكن لدى قائد القوة في الميدان أي علم بوجود أية مركبة على الطريق.

- رجحت مصادر استخبارات سلاح البحرية عدم وجود أية علاقة بين العبوات التي انفجرت وبين المركبة التي توقفت على الطريق في تلك المنطقة، خاصة وأنه لم يُرصَد نزول أي أشخاص منها.

- لسبب غير مفهوم، تم تدمير جزء من المعدات التي وصلت إلى مستشفى نهاريا مع الجنود المصابين. كان عتاد الجنود الذي يحملونه على ظهورهم مليء بالكرات المعدنية. أشارت لجنة أوفير، أول لجنة تحقيق في الحادثة، إلى احتمال أن يكون "الجنود أصيبوا من عبوتين انفجرتا، وأن العبوات التي كانت بحوزة الجيش الإسرائيلي كانت سليمة ومأمونة الاستخدام. ومع ذلك، أقرت اللجنة بأن الكمين كان عشوائياً وعرضياً، وليس مخططاً له استناداً إلى معلومات مسبقة تلقاها حزب الله. وهو ما أكدته لجنة زوهر (لجنة التحقيق الثانية، برئاسة الضابط الرفيع في شعبة الاستخبارات العسكرية، العميد غادي زوهر) أيضاً في تلخيصاتها في آب/أغسطس 1998. ومع ذلك، بقي على حاله موقف "أمان" الجازم بأنه لم يكن هناك تدخل من طرف العدو في الانفجارات، أي أن الجنود أصيبوا جرّاء انفجار العبوات التي كانوا يحملونها هم.

 

اختلاف وجهات النظر داخل اللجان:

يشكل التسرب الاستخباراتي أحد المواضيع المركزية والأكثر حساسية في القضية. في لجنة التحقيق الأولى، التي ترأسها اللواء غابي أوفير، طُرح الاشتباه بأن جزءاً من المعلومات الاستخبارية التي وصلت إلى حزب الله كانت نتيجة خيانة أحد العملاء. لكن فحص "جهاز الأمن العام" (الشاباك) أكد عدم صحة هذا الاحتمال.

أما لجنة التحقيق الأولى، برئاسة غابي أوفير، فقد أشارت إلى البث غير المشفّر الذي صدر عن الطائرة بدون طيار باعتباره مصدراً محتملاً للتسرب المعلوماتي، لكنها لم تكن قادرة على الحسم بأن ذلك البث قد تسرب فعلاً. وكان استنتاجها المركزي: "يمكن الحكم، بدرجة عالية من المعقولية، بأن العملية لم تنكشف خلال إجراءات التحضير لها أو خلال تنفيذها".

ما عزز استنتاجات لجنة أوفير لدى الرأي العام هو المعلومات التي نُشرت وأفادت بأن قوة من وحدة "سيّيرت غولاني" - وهي وحدة عسكرية متخصصة في مهمات الاستطلاع وجمع المعلومات الاستخبارية العسكرية - نجحت في زرع ألغام وعبوات ناسفة في عمق الأراضي اللبنانية، قبل عملية أنصارية بشهر واحد. وفي أعقاب ذلك، رفع "حزب الله" درجة تيقظه ونصب كمائن في العمق اللبناني، وليس على خط المواجهة مع إسرائيل بالذات. وعلى أية حال، كانت استنتاجات اللجنة مُرضية للقيادتين العسكرية والسياسية وحققت هدوءاً جماهيرياً.

بيد أن لجنة أوفير لا تروي في تقريرها العلني ما كان يعرفه الجيش الإسرائيلي، أنه في الرابع من أيلول/سبتمبر، وبينما أبحر جنود الكوماندوس متوجهين نحو لبنان، قرر "حزب الله" تعطيل شبكات الاتصال اللاسلكية. وقدّر مسؤولو الاستخبارات أن ذلك القرار مرتبط برفع درجة التأهب في التنظيم تخوفاً من رد فعل إسرائيلي على العملية التي وقعت ظهر اليوم نفسه في مدينة القدس وأسفرت عن مقتل ثلاثة إسرائيليين. لم يخطر ببال أحد احتمال أن يكون "حزب الله" قد رفع درجة جاهزيته على خلفية تسرب معلومات استخبارية.

أصبح احتمال التسرب من الطائرة بدون طيار أكثر ملموسية في مداولات لجنة التحقيق الثانية، برئاسة العميد (احتياط) غادي زوهر. وقد ورد في استنتاجات هذه اللجنة إنه إذا ما كان البث المكشوف من طلعات الطائرة بلا طيار قد التُقط، ولو جزئياً، من قبل "حزب الله"، فقد كان ذلك كافياً لكشف خطة عملية الكوماندوس البحري بصورة واضحة. "ثمة احتمال كبير بأن الحادثة، في جوهرها ومجملها، كانت عملية مبرمجة ومُعدّة سلفاً من جانب حزب الله، وليست كميناً عَرَضياً وُجد في المكان صدفة"، جزمت اللجنة.

لكن رئيس هيئة الأركان، أمنون ليبكين - شاحاك، رفض استنتاجات لجنة زوهر، مما أبقى تقرير لجنة أوفير، الذي يقول إن الكمين كان عرضياً. 

أنهى شاحاك مهام منصبه، وفي كانون الثاني/يناير 1999. شكّل رئيس الأركان الجديد، شاؤول موفاز، مرة أخرى، لجنة تحقيق ثالثة للتحقيق في مسألة التسرب. وقف على رأس تلك اللجنة، العميد غيورا زوريع، قائد وحدة النخبة التابعة لهيئة الأركان (سَيّيرِت مَتْكال). توصل اثنان من أعضاء هذه اللجنة إلى الجزم بأن "حزب الله" نصب كميناً في المنطقة دون أن يعرف شيئاً عن سير عملية الكوماندوس البحري الإسرائيلي - لا التوقيت، لا طريقة التنفيذ ولا مسار التنقل - وإنما بناء على تقديرات فقط، ليس إلاّ. أما عضو اللجنة الثالث، ممثل سلاح الجو، فقد جزم بأنّ البث المكشوف من الطائرة بدون طيار قد تسرب، كما يبدو، ولذلك لم تكن لدى "حزب الله" أية مشكلة في دراسة مسار التنقل المخطط لقوة الكوماندوس البحري. لكن رأي هذا الضابط لم يلق القبول.

وهكذا، بقيت خلاصات لجنة غابي زوهر على حالها حتى التاسع من آب/أغسطس 2010. عندما ظهر أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله في خطاب متلفز كاشفاً نجاح حزب الله في التقاط بث طائرات إسرائيلية بدون طيار. ليثير عاصفة في إسرائيل عقب هذا الكشف.

على أثرها، أصدر رئيس الأركان آنذاك غابي أشكنازي أوامره إلى سلاح البحرية وشعبة الاستخبارات العسكرية (أمان) بتشكيل لجنة تحقيق رابعة، تناط بها مهمة فحص المواد التي عرضها "حزب الله" والتأكد من مدى أصالتها وموثوقيتها.

ترأس تلك اللجنة العقيد (احتياط) كوبي أغمون، الذي كان قد شغل في السابق، منصب ضابط الاستخبارات في "شيّيطت 13". وضمت اللجنة سبعة ممثلين عن كل الجهات ذات العلاقة. استُعرضت جميع أرشيفات الأشرطة التي صورتها الطائرة بدون طيار في تلك الفترة، وحللت الشريط الذي عرضه "حزب الله" وخلصت إلى الاستنتاج بأن الشريط قد أُخضع للمعالجة والتحرير وأُدخِلَت إليه ستة مقاطع فيديو. الخمسة الأولى منها تضمنت صوراً من التلفزيون اللبناني، وصوراً من التلفزيون الإسرائيلي، وصورة تجارية ملونة من قمر اصطناعي رُسم عليها مسار تحرك جنود وحدة الكوماندوس البحري الإسرائيلية، وصوراً بثتها طائرة تصوير ليلي وصوراً أخرى، نهارية وليلية أرسلتها الطائرة من دون طيار. أما المقطعان الأخيران فقد تم تصويرهما في الوقت الحقيقي خلال عملية إنقاذ جنود الوحدة الإسرائيلية. ويدل هذا على أن "حزب الله" كان يمتلك صورة حقيقية عما كان يجري على أرض الميدان، طوال وقت عملية الإنقاذ، خلافاً لما أقرته شعبة الاستخبارات العسكرية (أمان).

يكمن "الدليل الدامغ"، الذي لا يرقى إليه شك، في المقطع السادس الذي عرضه "حزب الله". وهو عبارة عن صورة نهاريّة أرسلتها الطائرة بدون طيار إلى مركز الالتقاط في إسرائيل في ساعات الصباح من يوم 31 آب/أغسطس 1997، قبل أربعة أيام من وقوع الكارثة. مدة هذا المقطع في شريط "حزب الله" هي بضع دقائق معدودة. "في الأصل، هو شريط صورته الطائرة بدون طيار طوال 30 دقيقة، يشمل تمشيطاً متتابعاً ومركّزاً لنقطة الوصول إلى شاطئ البحر ولمسار التنقل، بما في ذلك منطقة انفجار الألغام"، كما تقر اللجنة.

ويمكن الافتراض بأنه إذا كان "حزب الله" قد وضع يده على هذا الشريط، فإنه كان وضع يده أيضاً على 13 طلعة تصوير سابقة جرت عشية عملية "نشيد الحور" وتحضيراً لها. أي، كان في أيدي "حزب الله" أشرطة تصوير لمدة تزيد عن خمس ساعات، تشمل تفصيلاً دقيقاً لمسار جنود الوحدة كما كان مخططاً، بما في ذلك صور مكررة لمقاطع من الطريق كانت كاميرات الطائرة من دون طيار تركّز عليها، ومنها أيضاً صور لطلعتين نفذتهما الطائرة بعد تلك الطلعة التي عرض "حزب الله" صورها.

بعد إقرار لجنة أغمون بأن الشريط أصيل وموثوق، حاولت فحص ما إذا كان قد نُقل إلى "حزب الله" بواسطة عميل، أو تم التقاطه من قبل السوريين أو الإيرانيين الذين نقلوه إلى "حزب الله" في وقت لاحق. وكان الاستنتاج واضحاً وقاطعاً، إذ "تبين من جميع الفحوصات، أن الذي حصل هو التقاط طلعات الطائرة بدون طيار، في الوقت الحقيقي. التقاط ذاتي مستقل من جانب حزب الله". بكلمات أخرى: حزب الله التقط البث مباشرة، في الوقت الحقيقي، بموازاة التقاطه في سلاح البحرية الإسرائيلي.