تشكل تقديرات الموقف الجديدة المسربة من البريد الإلكتروني لوزيرة الخارجية الأميركية السابقة هيلاري كلينتون، مطلع هذا العام، مادة مهمة لتوثيق وفهم حيثيات الأحداث في منطقتنا، في السبعة وثلاثين صفحة المسربة مؤخراً الكثير مما يخص منطقتنا، وإن كان لمصر "حصة الأسد" منها. وتتراوح تواريخ الرسائل بالمجمل بين النصف الثاني من العام 2009، وأواخر العام 2012. وقد وردت منطقتنا في ثلاث رسائل أساسية. الأولى في  مراسلة من جفري فيلتمان لهيلاري كلينتون في الثلاثين من آب 2011، وتتحدث عن ميقاتي باعتباره توّاقاً لمؤشرات إيجابية من الولايات المتحدة. يقول فيلتمان: ميقاتي شخص عملت معه أثناء رئاسته أول حكومة له في لبنان. بالنسبة لي كان التعامل معه، ومن نواحٍ كثيرة، أكثر سهولة من التعامل مع سعد الحريري. يقترح فيلتمان على كلينتون عقد اجتماع بين الرجلين (ميقاتي وسعد في باريس)، ويحثها على ضرورة الزام ميقاتي بمسألتين عند لقائه: تمويل المحكمة الخاصة بلبنان، وألا يقف لبنان ضد أي قرار يخص سوريا في الأمم المتحدة. في المراسلات أيضاً رسالة خاصة عن سوريا من آنا ماري سلوتر، مسؤولة تخطيط السياسات في الخارجية الأمريكية، لهيلاري كلينتون، تحثها على تأمين قناة تواصل مدنية آمنة مع المعارضة السورية. المهم في ثنايا الرسالة وصفها هذه القناة بأنها "ستأخذ اللعب في الحكم" إلى مستوى جديد في القرن الحادي والعشرين.  في الرسائل أيضاً، تقييم مطوّل للحالة المصرية مسرب بتاريخ العاشر من نيسان 2012، عن حال الإخوان المسلمين في مصر. أما مصدر المعلومات في هذا التقدير فيحمل إمكانية تورّط أحد أعضاء مكتب الإرشاد (أو الدوائر الملاصقة لمكتب الإرشاد) بتسريب معلومات خاصة عن الصراعات داخل الجماعة للأمريكيين، ويظهر في المراسلة جملة نقاط منها:   

تزايد مخاوف المرشد العام للإخوان محمد بديع، مع بدء عام 2012 وصولاً حتى آذار من نفس العام، نتيجة تطورين: ارتفاع شعبية حازم صلاح أبو إسماعيل، وتداول خبر ترشح اللواء عمر سليمان للرئاسة. وهو ما دفع الإخوان للتفكير بدخول الانتخابات الرئاسية بشخص خيرت الشاطر بعد قرارهم الإحجام عنها من قبل. وتجدر الإشارة إلى أن فكرة ترشيح الشاطر كانت من قبَل محمود عزت، نائب المرشد حينها، وقد قوبلت بالرفض من قبل مجموعة محمد حبيب نائب المرشد العام قبيل ثورة 25 يناير.

كان خيرت الشاطر شخصية معتدلة نسبياً، ويحظى باحترام المجلس الأعلى للقوات المسلحة، بقيادة محمد حسين طنطاوي، ورجال الأعمال الغربيين. كما أنه قاد مفاوضات مطولة مع صندوق النقد الدولي على قرض بقيمة 3.2 مليار دولار. فضلاً عن إيمانه بالديمقراطية، وحقوق الأقليات، والسوق الحرة. اللافت في المراسلة، عرضها للانقسام في المؤسسة العسكرية بين الحرس الجديد والآخر القديم، كما بين الجيش والمخابرات العامة. إذ تمثّل الخلاف بموقف المجلس الأعلى للقوات المسلحة من ترشيح عمر سليمان، فتورد الرسالة ما يلي: "أكد ضباط المجلس الأعلى للقوات المسلحة أن أتباع الطنطاوي وسليمان لا تربطهما علاقة جيدة، لأنهما خصمان لسنوات عديدة، وأن المجلس الأعلى للقوات المسلحة لا يدعم رئيس المخابرات السابق (عمر سلمان)". تضيف الرسالة، أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة لا يعتقد أن سليمان لديه أي فرصة حقيقية للفوز في الانتخابات، وأنه لا يمتلك أكثر من 6% من الشارع.

في المقابل تعرض الرسالة لمخاوف الإخوان من صعود حزب النور، وما يمثله حازم صلاح أبو إسماعيل من تهديد لجماعة الإخوان المسلمين، خاصة وأن الجماعة تعمل على طمأنة الحكومات الغربية، ورجالات الأعمال، بأن الحكومة المدنية لن تؤيد أي اتجاه متطرّف، لكن التقييم النهائي لمصدر التقرير يختم بالقول: ثمة رهان لعمر سليمان على العنف. فالعنف في مصر سيدفع بالمجلس العسكري لتبنّي الخيار الأمني في دعم ترشحه، وهو ما لا تخشاه الجماعة التي تعرف يقيناً حجم الشرخ بين المؤسستين الأمنية والعسكرية، بقدر خوفها حزب النور، ودوره السلبي في أبلسة صورة الإسلام السياسي بعين الغرب.