"يقولون أن مشكلتنا في هذا البلد هي البطالة؛ عندنا برنامج لن يترك فرد أسود عاطل عن العمل في هذا البلد. لا يوجد أحد في فيتنام عاطل عن العمل! فكر في ذلك عندما تحتاج لوظيفة"

إتش راب براون "عُرف لاحقاً بجميل عبد الله الأمين"

***

مع تمدد شبكات “الفهود السود” في مدن الولايات المتحدة، وبعد مقتل مارتن لوثر كينغ على يد أيديولوجيا التفوق الأبيض والانتفاضات الشعبية التي تلت مقتله في مختلف مدن الولايات المتحدة، برزت حتمية الثورة المسلحة كطريق التحرير الواجب الاتباع من قبل مجتمعات السود. لكن العقبة الرئيسية التي كانت حاضرة في إدراك "الفهود السود" هي جبن البرجوازية السوداء وسعيها الدائم للحفاظ على المكاسب الشكلية التي حققتها من حركة الحقوق المدنية.

في تحفته السينمائية معركة الجزائر تتبع جيلو بونتيكورفو مسيرة علي لابوانت وجسد في حياته المعذبة التمثل الأمثل لما اصطلح على تسميته بـ"البروليتاريا الرثة" القابعة على هامش المدينة خارج دورة الإنتاج الصناعي. أبرز الفيلم التحول العظيم الذي فعلته الثورة الجزائرية بعلي فحوّلته من سارق يسرق لأجل تحقيق أهوائه إلى مناضل يعيش لأجل الشعب ويموت لأجله إن اقتضت الحاجة. وجد "الفهود السود" في فيلم معركة الجزائر خير تمثل سينمائي لتصورهم الأيديولوجي لطبيعة الصراع داخل الولايات المتحدة ومركزية الدور الطليعي الذي ستلعبه "البروليتاريا الرثة" في تحقيق الثورة التي لا تمتلك شيئاً لتخسره. كانت كلمات مالكوم دوماً حاضرة في مخيلته توضح لهم كمَّ البؤس والشقاء الذي فرضه استبداد المجتمع الأبيض عليهم وضرورة سلوك طريق الثورة الذي سلكه سكان المستعمرات من قبلهم في فيتنام، موزمبيق، جزائر الثورة، وغيرها من المستعمرات التي نالت استقلالها بدفع الدم ولهيب البارود.

في تطلعهم لتوطين العمل الثوري، وفي سعيهم لتحقيق تصورهم القائم على وحدة الصراع بين المستضعفين ضد قوى الاستكبار والاستغلال، سعى "الفهود السود" لتوطين علاقات قوية مع مختلف القوى الثورية. من ثوار فيتنام  إلى كتائب المقاومة الفلسطينية، والأنظمة الثورية في كوبا، الجزائر، والصين. في تحليل "حزب الفهود السود" للوضع العالمي كان واضحاً وجلياً طبيعة الدور الإمبريالي للولايات المتحدة ونهاية قوة الدولة القومية الحديثة وصعود إمبريالية الشركات العابرة للقارات غير محدودة بالحدود لذا كان من الضروري تأكيد وحدة المستضعفين في عملهم وسعيهم نحو تحقيق غايات مشتركة.

 

***

"بإمكان ليندون جونسون أن يجادل في أي وقت حول ضرورة القانون والنظام لأنه غير مهتم بالعدالة. لا يجب علينا كسود أن نسقط في هذا الفخ. نحن كسود لم نضع القانون ولم نستشر حين وُضع فنحن غير ملزمين لا أخلاقياً ولا قانونياً به. هذه القوانين التي وضعوها وضعت لضمان بقائنا خاضعين وبقاءهم مسيطرين على وجودنا"

إتش راب براون "عرف لاحقاً بجميل عبد الله الأمين" متحدثاً في فعالية الحرية لهيوي 1968 كاليفورنيا.

***

شكل الحراك النضالي داخل السجون نقطة مركزية في اهتمام "الفهود السود". وعى "الفهود السود" منذ البداية طبيعة النظام العقابي وأن نظام السجون في الولايات المتحدة إنمما صمم لضمان التحكم والسيطرة على مجتمعات الأقليات المُستَغَلة من قبل أصحاب الامتياز المجتمعي. المناضل الشهيد جورج جاكسون كان من أبرز من التحق بهم من وراء القضبان. انضم جورج للفهود في مرحلة متأخر من حياته القصيرة. دخل جورج السجن بعد مشاركته في حادثة سطو على محطة وقود وسرقة 70 دولار وهو في التاسعة عشر من عمره. حكم عليه بالسجن من سنة إلى مدى الحياة قضى عشر سنين منها في السجن. في السجن عرف الماركسية وأدرك طبيعة الاستغلال المهيمن على مجتمعه. عمل من داخل السجن على تنظيم المساجين وبدأ في تهريب كتاباته بعد انضمامه للفهود السود لتنشر في جريدة الحزب. مثلت حياة جورج وحياة غيره من الشباب المسجون كم الإمكانات الكبيرة التى تخرجها الثورة من الشباب المغيب في عنف الجريمة عندما توجَّهُ طاقته وعنفه وسخطه في الاتجاه الصحيح.

من المفارقات المصاحبة لاستشهاده قصيدة نشرت بعد مقتله في جريدة الحزب تبيّن خط "الفهود" في وحدة النضال ضمن مجتمعات المستضعفين. فوحدة المستضعفين تتجاوز كل البنى الفوقية من عرق ومنظومات سيطرة اجتماعية. أبيات شعرية باللغة الإنجليزية غير معنونة وجدت في زنزانة جورج بعد ما اغتالته منظومة الغدر وهو يصنع طريقه للحرية من سجن سان كوينتين. بعد استشهاده نشرت الأبيات على أنها من صياغته نسبة لعدم علم الناشرين أن أبيات قصيدة "عدو الشمس" من نظم سميح القاسم شاعر النضال الفلسطيني. وحدة العدو ومنظومات القهر في تمثلاتها المختلفة سمحت لكلمات ابن الزرقاء من عايش التهميش والتهجير أن تجد صداها لدى المهمشين؛ كأن ناظمها هو ابن شيكاغو المعذب الذي أرهقته سلطة الرجل الأبيض باستكباره وجبروته. خلاص المستضعفين في تصور الفهود كامن في وحدتهم، وفي سعيهم نحو تحرير ذواتهم. فالنضال المشترك نحو غاية متعالية كفيل بتحقيق الخلاص وتجاوز البنى الفوقية لمنظومات القهر والسعي نحو مجتمع جديد لا طبقي يسمو به الإنسان لغاية أعلى من ذاته  ووجوده الفاني.

 

مكانك المطبخ:

شكلت تجربة حزب الفهود نقطة مهمة في حياة جيل من الشابات والشباب وجدوا أنفسهم في لحظات حرجة في مواجهة أزمنة مضطربة فصقلت التجربة ذواتهم وأضفت معاني على وجودهم. وضّحَت إلين براون في مذكراتها الدور المحوري الذي لعبه الفهود في كسر قيم الهيمنة الذكورية على المرأة وذلك ليس عن طريق التركيز على مسألة الهوية كما تنشغل تيارات النسوية البرجوازية المحدثة، بل عن طريق الانغماس في العمل الثوري المشترك وتفكيك البنى القديمة بإنشاء بنى مجتمعية جديدة قائمة لأجل الحرية وخدمة المستضعفين. من الأمثلة الجميلة التى تذكرها إيلين عندما بدأ الفهود العمل في توفير وجبات الإفطار للأطفال الفقراء حتى لا يكون الفقر والجوع مانعاً لهم من تحقيق المعرفة في خضم هذا الفعل الثوري دخل الرجال بأعداد غفيرة إلى المطابخ لصنع الطعام للأطفال متناسين وهادمين كل القيم الذكورية القديمة الناظرة بدونية لعمل الرجل في الطبخ وصنع الطعام. على حد تعبير إيلين، في غمرة هذا الفعل الثوري صار الرجال يطبخون للأطفال ويهتمون بهم بينما تولت النساء في الحزب مهام التنظيم وإدارة شؤون الحزب. فمسألة الهوية الجنسية لم تكن هي المحدد لطبيعة الفعل الثوري الممارس وإنما قدرة الفرد على إنجاز العمل وتحقيق المراد منه هي كانت المحرك الرئيسي للنشاط داخل الحزب. فالهدف توجيه كل الطاقات لأجل غايات النضال التحرري فمن كل على حسب استطاعته ولكل ما يسد حوجته.