برز وليام إدوارد دوبوا W.E.B. du Bois (1868-1963) منذ نهاية القرن التاسع عشر كأحد رواد حركة الوحدة الأفريقية والدفاع عن القضايا التي تواجه العرق الزنجي في الولايات المتحدة وانعكاساتها في أفريقيا عبر امتلاك أدوات وخبرات ربما لم تتح لغيره من رواد الحركة. وأظهر دوبوا تعاطفاً لا يلين مع "المسألة اليهودية" وما اعتبره إلهاماً صهيونياً لبقية الشعوب المستضعفة؛ حتى وصف بعض الباحثين حياته بأنها كرست لمواجهة معاداة السامية في مستوياتها المختلفة.

ونظر كثيرون لوليام دوبوا أباً لحركة الوحدة الأفريقية والمساهم الأكبر في تطورها منذ نهاية القرن التاسع عشر حتى وفاته في العام 1963، وتنوعت مواهبه بين الفكر والصحافة والكتابة والنشاط السياسي، وبذل جهوداً جلية نحو تحرير أفريقيا والأفارقة وتوحيدهم، ولطالما شعر دوبوا أن نضال الشعب الأفريقي قرين الحركة الصهيونية في عصره، التي حظيت بدورها بتعاطفه العميق، وإقراره – في افتتاحية لمجلة Crisis في العام 1919 -  أن "الحركة الأفريقية تعني لنا ما يجب أن تعنيه الحركة الصهيونية لليهود: مركزة الجهد العرقي والاعتراف بجبهة عرقية." وعوضاً عن خطأ وصف اليهود بالعرق – حسب مايكل و. وليامز Michael W. Williams في مقاله الشهير عن الوحدة الأفريقية والصهيونية - فإن رؤية دوبوا المناصرة للرؤى الصهيونية اقترنت بتصورات دونية للعرب، لاسيما سكان فلسطين، ومستوى تطورهم. وكتب قبيل أسبوع واحد من إعلان قيام دولة إسرائيلكواحد من أعتى أنصار الصهيونية أنه يراها قضية الشبان اليهود وذوو التفكير التقدمي، وجلب حضارة جديدة لأرض قديمة ونهضة أرض ظلت غارقة في الجهل والمرض والفقر لتصبح –عبر السبل الديمقراطية- دولة حديثة جديدة وفريدة.

وأثار نضال الشعب المصري في أزمة السويس 1956 ومواجهته قوى العدوان الثلاثي، والتي من ضمنها إسرائيل التي طالما ألهمت دوبوا ونخب بحركة الوحدة الأفريقية على حساب القضية الفلسطينية، تجربة فريدة وملهمة لدول العالم الثالث والقوى "الوطنية" في أنحاء متفرقة من العالم، ووصل هذا التأثير لدوبوا الذي بادر بنظم قصيدة حملت اسم "السويس"[1] نشرت في مجلة Masses & Mainstream في كانون الأول - ديسمبر 1956 بدأها بمطلع حماسي عن مصر الفتاة التي نهضت واستردت قناتها، وسخر فيها من "الأسد البريطاني" الذي يزأر زئيره الأخير، ومن "إسرائيل الفتاة" التي أفلتت صرخة هادرة متسائلة "هل سيصول الفرعون مجدداً؟" ليجيبها ناصر وهو يشير متجهماً للغرب "لقد جمعوا السحرة!"، وعرج على فرنسا التي تسعى لتمدين الموتى وجعل الصحراء السوداء حمراء؛ فيما شق الجشع صفوف الغرب في مسعاه لإعادة بناء الكبرياء العرقي واللوني في الأراضي التي شهدت "موت موسى ومحمد وصلب المسيح"، وفي لحظة مفصلية لرؤيته لإسرائيل يرى أنها تصبح قوة صدمة للوغدين (فرنسا وبريطانيا) الذين سرقا أرض الإنسان الأسود، وفي منحى ملفت وحد بين نضال ناصر والملايين الغفيرة من العبيد السود.

لقد جاءت قصيدة "السويس" في سياق القصائد السياسية التي اعتاد دوبوا نظمها من وقت لآخر، وسط حياة فكرية زاخرة بالمؤلفات الملهمة لحركة الوحدة الأفريقية وتحرير مجلة Crisis ذائعة الصيت في الأوساط الأمريكية والأفريقية، واصطبغت بفكرة طالما راودته بوجوب أن تكون الابداعات الفنية ذات طبيعة دعائية وتقوم على خدمة غرض "التقدم الاجتماعي"، وفي سياق تنديده، حسب يوجين ف. بروفينزو Eugene F Provenzo في العمل الذي جمع فيه كتابات دوبوا عن أفريقيا (2019)، بالاستعمار الأوروبي والأمريكي ودعوته لمصر والشعوب الأخرى بمواصلة السعي لنيل الحرية والاستقلال.

ومثلت القصيدة – دون أدنى قدر من المبالغة - تحولاً كبيراً في رؤية دوبوا الذي عد من أهم مؤيدي إسرائيل بين قادة حركة الوحدة الأفريقية، وتمثل ذلك في تأكيده – في القصيدة - على وضع إسرائيل في مكانة المعتدي الاستعماري، وليس المثال الملهم لحركة التحرر الأفريقية، وصاحبة دور في حركة الاسترقاق الحديثة، بعد أن كان يتفهم مخاوف إسرائيل من "الفرعون" في مصر قبل العدوان الثلاثي. كما رفض دوبوا، حسب تحليل ميلاني ماك أليستر Melani Mc Alister في مؤلفها عن الثقافة والإعلام والمصالح الأمريكية في الشرق الأوسط منذ 1945 (2005)، وضع عبد الناصر في المكان الذي عملت الحركة الصهيونية على قولبته فيه، كحاكم "لمصر الاستعمار والإمبريالية" كمجاز، ووصف إسرائيل بأنها مخلب للقوى الاستعمارية، وأن تعاونها مع بريطانيا وفرنسا مثل خيانة لمعاناة اليهود.

وقادت أزمة السويس دوبوا إلى تعميق تحوله الراديكالي، لاسيما بعد تجربة ترشحه في مجلس الشيوخ عن حزب العمال الأمريكي American Labor Party (وخسارته انتخابات المنصب) في العام 1950، ومواجهته بتهمة العمالة للخارج إلى جانب أفراد بمركز معلومات السلام Peace Information Center خلال محاكمتهم في العام 1951. وحصل في العام 1959 على جائزة لينين للسلام Lenin Peace Prize، وانضم دوبوا في العام 1961 – الذي بلغ فيه عامه الثالث والتسعون - للحزب الشيوعي الأمريكي (ACP) قبيل مغادرته البلاد متوجهاً إلى غانا – في نفس العام - بناء على دعوة من زعيمها كوامي نكروما لتولي مهمة إدارة تحرير Encyclopedia Africana.

وبرز التحول الفكري الأكبر في فكر دوبوا – داخل حركة الوحدة الأفريقية - في مطلع الستينيات عندما حدث افتراق أيديولوجي كبير بعض قادة العمل الوحدوي مثل ستوكلي كارمايكل Stokely Carmichael (الذي ورث بدوره أفكار ماركوس جارفي Marcus Garvey وسعيه لتحويل الحركة لتوجه إمبريالي يعيد بناء إمبراطورية أفريقية وتحرير الأرض وتكوين مجتمع على أساس التجانس العرقي)؛ وفيما ابتعد دوبوا عن النظرة "الرومانسية" للمشروع الصهيوني، أوغل كارمايكل في تبني المثال الصهيوني وشعر أنه لا مستقبل للشعب الأسود في أمريكا لأن العنصرية أعمق من أن يتم تجاوزها، وأنه لا يمكن استعادة السود لمجدهم إلا بإمبراطورية أفريقية متجددة على ترابها، بينما خفف دوبوا من غلواء التعصب العرقي للأفارقة ودعا لمقاربات أكثر نضجاً لمسائل التحرر الوطني وبناء الدولة بعد الاستقلال.

وهكذا تزامن تخفف دوبوا من الجمود الأيديولوجي في مسائل عدة – وليس نظرته للصهيونية فحسب - مع انحسار مكانته داخل الولايات المتحدة، وارتباطه في غانا بالزعيم نكروما صاحب الإسهام المميز في حركة الوحدة الأفريقية بعيداً عن النظرة العرقية عبوراً إلى نظرة شاملة للاستعمار وأدواته وأعوانه، ومعاناة وقمع الشعوب المستعمرة دون ارتهان بخصوصية لونية، والذي سيسقط نظامه لاحقاً بتدبير من المخابرات المركزية الأمريكية.وتجسد الإقصاء الأمريكي لدوبوا عندما رفضت الحكومة الأمريكية منحه وزوجته جواز سفر أمريكي جديد، ليحصلا في العام 1963 على الجنسية الغانية. لكنه لم يمكث طويلاً بعدها إذ ساءت صحته وتوفي في أكرا في آب- أغسطس 1963 عن عمر ناهز 95 عاماً، بعد أن شهد تحولات أيديولوجية وسياسية سريعة، لاسيما مقاربته لمسألة فلسطين وكشف الطبيعة الاستعمارية للحركة الصهيونية، وإن كان الوقت قد تأخر قليلاً على إدراك دوبوا ولم يمكنه من إنتاج معرفي واضح في المسألة.

 


[1] قصيدة صغيرة الحجم غلب عليها الطابع الحماسي بالتفاعل مع أحداث أزمة السويس فيما يتضح–في نهاية القصيدة-  بتمجيد الدور السوفيتي وقيادته لحركات التحرر في آسيا وإلهامه لأفريقيا مستقبلاً كما توقع دوبوا:

Du Bois, W. E. B. Suez, Masses & Mainstream, December 1956, Vol. IX, No. 11, pp. 42-43