للسياسة الاستراتيجية التركية مستويات عدة. لا أعني أجنحة متعددة، بل مستويات يمكن من خلالها فهم الخطوط العامة لعمل الماكينة السياسية التركية. تحاول تركيا قدر الإمكان التحرك في فضاء الشرعية الدولية، دون خرقه. فنراها في ليبيا تدعم وحدة أراضي وسيادة هذا البلد، كما تدعم حكومة الوفاق الوطني المعترف بها من الأمم المتحدة. بهذا المعنى، تحاول تركيا عدم تجاوز سقف الشرعية الدولية، ودون ذلك يصير هامش المناورة كبيراً.

في ليبيا وعلى الأرض، تتطلع تركيا لتأمين سيطرة حكومة الوفاق الوطني على خط سرت والجفرة، وتتطلع لهذا الخط باعتباره خطاً سياسياً لا عسكرياً فحسب. إذ تحاول حكومتنا الشروع بالمفاوضات من أجل حلِّ سياسي بناءً على خط جفرة - سرت. تتقاطع عند خط جفرة – سرت عدة مصالح دولية معقدة. نحن نعلم بأن روسيا تستخدم الجفرة كقاعدة جوية لأسراب "السوخوي"، لذا نفترض أن ثمة حوار ينبغي أن يشرع عند هذا الخط، درءاً للأخطر. مضافاً إلى ذلك، ثمة نقطة على غاية من الأهمية، وتتعلق بتطبيق اتفاقيات تحديد مجالات السيطرة البحرية، ومتابعة التعاون العسكري والأمني. إن مذكرتَي التفاهم الموقعتين في شهر كانون الأول 2019، حول تعيين حدود مناطق الصلاحية البحرية، ومن قبلها في 27 تشرين الثاني المتعلقة بالتعاون الأمني والعسكري بين أنقرة وطرابلس، هي مسائل على مستوى عال من الأهمية، وتركيا تحاول السير في كل هذه الأبعاد أو الجنبات بشكل متوازٍ.

ليست المسألة الليبية بالسهلة أبداً. ثمة إمكانية لتحول النزاع المتصاعد في ليبيا لنزاع مباشر، أي أنه لن يكون حرباً بالوكالة، بل أشبه بحرب تقليدية. هذا يعني أن مصر وتركيا يمكن لهما أن يقدما للطرفين المتنازعين على الأرض بعض الوحدات التابعة للدولتين بشكل مباشر، بهدف الإسناد والدعم والإدارة الميدانية، لكن البلدين لن يخوضا حرباً معلنةً تحت علميهما. وفي حال انجرار تركيا ومصر إلى حربٍ تحت علميهما، أي إلى حربٍ بين تركيا ومصر بشكلٍ رسمي، لا شك أنهما ستوقفان هذا الانجرار بشكلٍ من الأشكال. ثمة قناعة في اعتقادي عند كل من القيادة المصرية والتركية في ضرورة التزام حدود معينة في هذا الصراع، وتتمثل بعدم فتح الطريق للدخول في حربٍ تقليدية رسمياً وفعلياً بين الدولتين. ومع ذلك، فإن أصل المشاركة ببعض الوحدات يمكن أن يوضح لنا مدى خطورة هذا النزاع.

تتطلع تركيا في لييبا للنجاح بتحقيق وحدة الأراضي السياسية لهذا البلد. كما تتطلع إلى حماية حقوق ومصالح تركيا في شرقي المتوسط (الاقتصادية منها والسياسية)، كما تفرد تركيا للمسألة الليبية أهمية خاصة من زاوية حضور أنقرة في مسائل الشرق الأوسط وشمالي إفريقيا. في المناطق التي نتحدث عنها ستتغير الأنظمة وستمتلك الشعوب مواردها. بالنسبة لتركيا، ثمة أهمية استثنائية في ضرورة إعاقة أهداف فرنسا الإمبريالية واستعمارها للمنطقة. تونس، والجزائر ومنطقة الساحل، ومصر وفلسطين ستتأثر بشكل إيجابي. وستتم الحيلولة دون اغتصاب اليونان وإدارة جنوب قبرص الرومية (اليونانية) لحقوق ومصالح بلدان المنطقة في شرقي المتوسط، وهذا ما يتطلب وضع خطة أخرى لمسألة الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني.

ولن يترك الفشل في ليبيا بقعة آثاره محصورة في الداخل الليبي فحسب. نعم، هو قد يتسبب بانتخاباتٍ مبكرة في ليبيا وتغيير السلطة، قد يخلق جدلاً واسعاً داخل البلد، هذا صحيح. لكن من آثار الفشل في ليبيا أنه قد تحصل تغيّرات كبيرة في السياسة الخارجية التركية. قد يُصار إلى مساءلة الشعب للسلطة والقوات المسلحة والاستخبارات عن سبب الفشل. إن الفشل في ليبيا يعني بالضرورة نهاية السياسة المحافظة التي بدأت مع حزب العدالة والتنمية واستمرت 18 عاماً. ولست أبالغ إذا ما قلت، قد تنطوي تركيا على نفسها لفترة إذا ما فشلت في ليبيا.

وفي انتظار جلاء المشهد في ليبيا، لا يبدو أن هناك بريق أمل في إعادة اصلاح ما أفسده الزمن بين حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة اليوم. فما بين السعودية وتركيا، لا يبدو قابلاً للحل. الجريمة التي ارتُكبت في القنصلية السعودية بتركيا (أي قتل الخاشقجي) موضوعٌ مهمٌ جداً لاستشراف العلاقة بين الطرفين. لا أعتقد أنّ ملف الخاشقجي قابل لأن يغلق في المدى المنظور، أو بعد فترة قصيرة. تتابع تركيا هذا الموضوع وتتطرق إليه في كل المحافل الدولية، فارتكاب هكذا جريمة على الأرض التركية، وعلاوةً على ذلك، من قبل عناصر الاستخبارات السعودية بشكل مباشر، هو من جهة إهانة للدولة التركية وقوانينها الجمهورية، ومن جهة أخرى هو تجاهل لسيادتنا. لا أعتقد أن مثل هذا الموضوع قابل للتجاوز أو غض النظر.

في الآن عينه، لا تجد تركيا نفسها ملزمة أو مدفوعة لتحسين العلاقات مع السعودية. حتى بالنظر لعلاقتها بالولايات المتحدة، هي تعلم أن علاقتها بالأميركيين لا تمر من خلال البوابة السعودية. لقد استطاعت تركيا تمتين العلاقة وبناء الثقة مع الأميركيين ومع الإدارة الأميركية الراهنة بشكل كبير.  

تشكل الانتخابات الأميركية محطة مفصلية في استقرائنا واقع السياسة اليوم. للانتخابات الأميركية تداعيات تتجاوز الجغرافيا الأميركية نفسها. وعلى عكس مما يعتقد الكثيرون، لم تكن العلاقة بين تركيا والإدارة الأميركية الحالية سيئة كلياً؛ ثمة قدر من الثقة بين الطرفين وبين القيادتين راهناً. ربما ذاك ما سمح لتركيا بهامش واسع من المناورة في آستانا، وسوتشي، وغيرها من القضايا البالغة الحساسية في قلب العالم القديم (وهو ما لم يكن معطى بالقدر نفسه فترة إدارة الديمقراطيين). لذا، أجد من المناسب القول، أننا نُقيّم نتائج الانتخابات الأميركية التي ستجري في تشرين الثاني 2020، باعتبارها مسألة على قدر من الحساسية بالنسبة لتركيا ولمنطقتنا بشكل عام، وأقصد بمنطقتنا؛ الشرق الأوسط، وشمالي إفريقيا، وشرق المتوسط على وجه التحديد. وبالرغم من أن سياسات أميركا الأساسية لا تتغير بشكل دراماتيكي لناحية الخطوط العريضة، إلا أنّها مؤثرة بنحو أو بآخر على زيادة أو خفض التوتر في منطقتنا، وهذا ما ينبغي أن نتنبه له جيداً. إن تطبيق السياسات الأميركية، أو لنقُل شكل هذه السياسات، يحمل أهمية عالية بقدر مضمونها.

بهذا المعنى، الانتخابات الأميركية مسألة جد حساسة وحرجة بالنسبة لتركيا. ففوز ترامب بالانتخابات سيتيح الإمكانية لتركيا للاستمرار بسياستها في المنطقة، كما أن انتصار ترامب سيؤمّن لتركيا ميزة مهمّة. ثمة ثقة شخصية وتعاون بين ترامب والسيد رئيس جمهوريتنا رجب طيب إردوغان. وهو ما لا يمكنني الرهان على استمراره في حال فوز الديمقراطيين. ففي حال فوز بايدن ستتأثر سياسة تركيا الخارجية ونشاطها الإقليمي بشكلٍ سلبي، سواء في ليبيا، أو العراق. وقد لا يكون لتركيا "يد عليا" في النفاذ إلى هاتين الساحتين.