لم تكن أزمة أسعار النفط في الاسواق الآجلة فترة شهر نيسان – أبريل الماضي مسألة عادية فحسب. لقد شكلت تلك الأسعار صدمة كبيرة بالنسبة للكثيرين، بعدما وصلت في الثلث الأخير من شهر نيسان إلى حد -37 دولاراًَ للبرميل الواحد للمرة الأولى في تاريخ مداولات أسواق السلع الآجلة عموماً والنفط خاصة، الأمر الذي شكل علامة استفهام كبيرة بالنسبة للكثيرين. فما الذي أوصل الأسعار إلى مثل هذا الرقم، وإلامَ تؤشر هذه الأزمة؟

تحركت الأسعار في الأسواق النفطية الآجلة في شهر نيسان، وفق جملة عناوين ومؤشرات منها:

  1. العقود الآجلة التي يتداول بها المتداولون والمستثمرون من غير الشركات، الذين يحرصون على تصريف تلك العقود قبيل تاريخ استحقاقها (وهذه عادة السوق الآجل كله)futures market . وبما أن التخزين وصل إلى حده الذروي الأقصى في عدة دول، وفي الولايات المتحدة بشكل خاص، فقد التمس المستثمرون خللاً في السوق فحاولوا مجتمعين تسكير عقودهم الآجلة قبيل موعد استحقاقها. كان حصول الخلل السعري في أسواق عقود West Texas Intermediate (WTI) وليس Brent دليلاً آخر على ارتفاع حدود التخزين في الولايات المتحدة إلى حدوده القصوى.
  2. بدء حرب الأسعار بين السعودية وروسيا، وحرص السعودية على المحافظة على حصتها من السوق، الأمر الذي أدخلها في حرب أسعار مستعرة في وجه روسيا على وجه التحديد.

لكن ومع كل ذلك، ظل البعض ينظر إلى ما حصل في شهر نيسان، باعتباره إشكالية آنية، أو ظرفية، محصورة في استحقاق العقود الآجلة للمضاربين والمستثمرين، من دون إعطاء الأزمة أي بعد آخر. ثم كانت المؤشرات التي بدأت بالتحسن منذ نهاية شهر نيسان - أبريل بمثابة الدلالة المضافة للحديث عن انتهاء الأزمة وعودة السوق للتعافي. لكن الأزمة في حقيقتها لم تكن عابرة البتة، إذ عبرت في وجه من أوجهها عن مدى هشاشة السوق النفطي. فكيف نفهم أزمة نيسان – أبريل الماضي؟

لطالما شكل استهلاك الطاقة في قطاع المواصلات الحجم الاكبر من سوق الطاقة العالمي. يعود ذلك للحاجة الكبيرة لاستهلاك الطاقة في مجال تشغيل طائرات النقل والسيارات والبواخر ومختلف الوسائل الأخرى. وبسبب جائحة كورونا وما فرضته من سياسات حجر شلت قطاع المواصلات، انخفضت أسعار قطاع النفط المرتبط بالمواصلات إلى حدوده الدنيا في الثلث الأول من العام 2020. على مستوى الأرقام، انخفض الاستهلاك العالمي شهري شباط وآذار ما نسبته 30 مليون برميل يومياً. هذا ما يفسر غرق السوق بكم النفط المعروض فيه للبيع وتدني الأسعار. لكن، ومع عودة الحكومات للتراجع عن سياسات الحجر في الولايات المتحدة الأميركية، وبريطانيا، وشمالي أوروبا، ومع اتفاق أوبيك وروسيا والولايات المتحدة على تخفيض سعر الإنتاج 9,7 مليون برميل يومياً (10% من الانتاج العالمي) عاد الطلب على الاستهلاك في قطاع طاقة النقل مع بداية شهر أيار – مايو، وعاد توازن السوق وتعافت الأسعار بشكل كبير. ومع ذلك ظل سؤال كامن حول صلاحية قطاع الطاقة وثقة المستثمرين به: هل سيستعيد قطاع الطاقة أسعاره الطبيعية وثقة المستثمرين بعيد انتهاء الحجر على المستوى العالمي؟

يمكن أن تكون هزة نيسان – أبريل استثناءً، لكن تحول الأسعار في قطاع مثل النفط إلى أرقام سالبة سيظل أمراً على درجة من الحساسية بالنسبة للمستثمرين. فما حصل يمكن أن يفضي لتغيير النظرة تجاه النفط والأسعار النفطية. كما يمكن أن يعرّض أوبيك لنوع من الاهتزاز. فالتذبذب الذي حصل سيبقى في ذاكرة الشركات النفطية وقطاع الطاقة مستقبلاً، كما وسيرخي آثار الخوف المستديم على الاستثمار والبحث في هذا القطاع بالتأكيد. دول من مثل لبنان ودول حوض المتوسط ستعاني من تراجع أهمية النفط بعدما كانت تأمل في أن يشكل لها مخرجاً من أزماتها. كما أن دولاً من مثل السعودية وغيرها من المعتمدين على النفط بشكل رئيس ستكون مهددة في استقرارها. لقد أثبتت هزة نيسان أن سعر الـ127$ للبرميل عام 2007 كان الأعلى في التاريخ، ومثل هذه الأرقام لن تتكرر بعد اليوم. كما أثبت انخفاض سعر النفط إلى ما حدود -37$ للبرميل الواحد أن فكرة ثبات الأسعار والاستثمار في هذا القطاع لن تجدي نفعاً بعد اليوم. ستبقى آثار انخفاض سعر النفط طويلة الأمد مستقبلاً. والكلام عن طاقة نظيفة ما بعد "الكوفيد 19" يمكن أن يعني انتقالاً نحو قطاع الطاقة المعتمدة على الغاز المسال لا البترولي. سيعطي هذا الأمر دولاً من مثل قطر وإيران، وروسيا قدرة تنافسية كبيرة جداً باعتبار أن المستقبل للطاقة المتجددة، والغاز، لا النفط. هي عبارة بسيطة لكن دولاً وخرائط كثيرة ستتغير بفعل ارتدادات أزمة نيسان – أبريل 2020.