الأزمات التي لم تنفجر تتطبع، هذا ما نلاحظه هذه الأيام في مواضع عدّة من العالم؛ في الولايات المتحدة التي عادت لتسجل أكبر عدد إصابات بفيروس كورونا منذ كانون الثاني، فيما لا يبدو الهلع مسيطراً كما كان في الأشهر الأولى للأزمة، وفي الحديث الإعلان عن ضم أراض فلسطينية جديدة في الفترة الأخيرة، حيث لا يظهر أن ردة الفعل العربية والفلسطينية أعلى من القليل المتوقع، وفي العقوبات أو التأليب الأميركي على دول محور المقاومة، والتي أخذت تشتد إلى أقصى الحدود، وفي الأزمات الاقتصادية التي تواجه بلداناً عديدة دون أن تؤدي إلى حركات سياسية أو اجتماعية جديدة.

التطبيع مسألة تراهن عليها الحكومة الإسرائيلية بشدة هذه الأيام، من أجل ضم المزيد من الأراضي الفلسطينية إلى "سيادتها"، وتعزيز التحالف الإقليمي ضد حركات المقاومة، وهو الأمر الذي تلعب في دول صغيرة كالبحرين والإمارات وقطر دوراً محورياً، سواء من خلال تمييع الاتصال الرسمي والإعلامي مع إسرائيل، أو من خلال استأنف الحرب الخطابية والعسكرية على الجماعات المتحالفة مع إيران. لكن المهم بحسب إسرائيل ليس النتائج المباشرة لتطبيع وجودها و"سيادتها" وحضورها في المشهد الإقليمي، وإنما فتح مسارات أوسع لتحالفات مستقبلية علنية مع دول المحور الأميركي في المنطقة، وكسر حدّة العداء عند الشعوب العربية تجاهها، تمهيداً لجعل مسألة المقاومة قضية "جيبية" خاصة بجزر من المجتمعات المعزولة عبر الحصار الاقتصادي والسياسي والإعلامي.

هذه المرة الأولى التي يواجه محور المقاومة حصاراً كالذي يحدث اليوم، مضافاً إليه انفجار الأزمات الداخلية والتناقضات التي كانت تكبتها أنظمة الفساد والهدر، لكن النهايات لن تكون معروفة الآن، ما دام محور المقاومة ملتزم بسياسة "الصبر الاستراتيجي" التي أعلن عنها السيد حسن نصر الله قبل أعوام، والتي تقتضي امتصاص الضغوط والضربات، وتوجيه ضربات نوعية مضادة، لتصير بذلك أعباء الخصم غير قابلة للاحتمال فينسحب. هذه المعادلة قد تمتد إلى الداخل، وتتبلور من خلال تعزيز قدرة حركات المقاومات على الصمود المادي والمعنوي، وامتصاص الصدمات واحتوائها، تمهيداً لتغيير القواعد الداخلية وتثبيت معادلات جديدة، تسمح في حال تمّت بتعزيز القوة والقدرة على التملص من الضغوط الأميركية، وبناء منظومة أكثر استطاعة على التكيف مع الظروف الصعبة واستغلال الطاقات والثروات القليلة المتوفرة.

الضغوط الأميركية على دول كسوريا ولبنان وإيران والصين وروسيا، قد تكون فرصة جيدة لتعزيز أواصر التبادل والتعاون الاقتصادي بين "ضحايا البيت الأبيض"، وهذا ما برز في الدعم الدبلوماسي الروسي الصيني لإيران في مجلس الأمن، خاصةً في ما يتعلق بتجديد الحظر على إيران بشأن استيراد الأسلحة، أو من خلال توقيع اتفاق تعاون بين إيران والصين سيسمح باستثمار يصل إلى حدود الـ280 مليار دولار خلال 25 عاماً في البنى التحتية وصناعة البتروكيمياويات الإيرانية. والأمر نفسه قد ينسحب على سوريا المستفيدة من الدعم الروسي الذي قد يزداد في الأشهر المقبلة في ظل المعاناة المضاعفة التي سببها "قيصر"، أو في لبنان من خلال المفاوضات غير المعلنة التي بدأت تدور حول استثمار صيني في البنى التحتية، والذي تشير إليه بيانات السفارة الصينية الأخيرة، التي تعكس نوعاً من الشهية الصينية على تعزيز العلاقات السياسية والاقتصادية مع بلد قد يكون بوابة الصين إلى المتوسط.

في لبنان كذلك، بدأت الأزمة بالتطبع، كثرٌ يتساءلون: أين هم المعترضون اليوم؟ ولماذا سكت هدير الساحات الذي كان صاخباً في زمن لم يكن بهذا السوء؟ ولماذا لا تلقى دعوات التظاهر استجابة فعلية؟ الواضح أن هناك إحباطاً كبيراً اليوم من احتمالات التغيير من خلال الشارع، حيث أضحت الأزمة أعمق من أن تصلحها تغييرات قشرية لا تطال أسس النظام الذي لم تتضح بدائله إلى الآن، فيما يبدو سعر الصرف وأخبار إغلاق المؤسسات، والتحذيرات من انقطاع التيار الكهربائي لمدة طويلة، والنقص في مادة المازوت وسلع أخرى، هو الشغل الشاغل لكل الناس. أما الحكومة التي استطاعت أن تكسب ثقة اللبنانيين من خلال مكافحة فيروس كورونا، فيظهر أنها بدأت تواجه صعوبات وتحديات مضاعفة نتيجة الخلافات حول خطتها المالية ومفاوضاتها مع صندوق النقد الدولي، والذي استبعدت مديرته كريستالينا جورجيفا قبل أيام، أن يكون الانفراج الاقتصادي في لبنان قريباً أو منظوراً.