فوجئت بعد حصولي على الدكتوراه، وتعييني بوظيفة مدرس في الجامعة، أن أحد العمال حينما كان يراني آتياً في ردهة الطابق الذي تقع فيه الغرفة التي أتشاركها مع ثلاثة آخرين من الأساتذة، كان ينتفض واقفاً من على كرسيه ويقبل علي مبتسماً ابتسامة تلطف واستجداء، أو كان ينتظر مروري أمامه فينتصب واقفاً لتحيّتي تحية خضوع واستعطاف. والمفاجأة في ذلك التصرف هو أنني كنت وقتذاك قد صار لي في الكلية قرابة خمسة عشر عاماً، مذ كنت طالباً حتى أصبحت معيداً، أدخل وأخرج وأصعد وأنزل، دون أن يلتفت إلى أحد على الإطلاق. بيد أن تكرار هذا التصرف من قبل ذاك العامل وغيره جعلني أشعر بمزيج من المفاجأة والسعادة، فقد كان تصرفه دليلاً ناطقاً على أنني صرت شخصاً آخر ارتقى بالفعل في هيراركية المؤسسة. وما لبث الإحساس بالمفاجأة أن تلاشى وأخلى مكانه لشعور آخر، هو توقع وانتظار تلك اللحظة التي أسعد فيها بالوقوف والتحية لي، وسرعان ما تحول الإحساس بالتوقع والانتظار إلى رغبة ومطلب ملحين للحصول على لذة من نوع غريب، لم أعهده من قبل، ألا وهي لذة الإحساس بالعلو أو الشعور بالاستعلاء. وأذكر أن أحد أولئك العمال ممن تعودت منهم أن يمثلوا قياماً استمر في جلسته على كرسيه ذات مرة حين رآني، مما أمضني وأشعرني بألم الحرمان من تلك اللذة، وهو ألم شديد الإيجاع تماما كألم حرمان المدمن من جرعة التعاطي. وأذكر أنني أوشكت أن أقدم شكوى في هذا العامل، لولا أنني تذكرت وقتذاك أنه لم يرتكب مخالفة حقيقة تستحق العقاب، فلم يكن هناك ما يلزم الرجل بالانتفاض والمثول قياماً وتحيتي بخضوع وتذلل في كل مرة يلمحني فيها.

وشاء التدبير الإلهي أن أقع فيما اعتقدت أنه بالمصادفة على ذلك الحديث النبوي الشريف (من سره أن يمثل له الناس قياماً، فليتبوأ مقعده من النار)، فما كان مني سوى أن نهيت نفسي عن السعي وراء لذة مثول الناس قياما لي، بل إنني صرت أنهى أيضا كل من يحاول مجاملتي بالوقوف. غير أن تلك الواقعة أثارت في نفسي تساؤلين: أولهما عن نفسي؛ وثانيهما عن الحديث النبوي. فمن ناحية، كنت أتعجب كيف سولت لي نفسي الانزلاق في هذا التدرج الشعوري من المفاجأة إلى السعادة إلى الالتذاذ إلى المطالبة، رغم ما أعرفه عن نفسي أو في الحقيقة ما خلت أنني أعرفه عن نفسي –بحكم دراستي لعلاقات السلطة– من أنني أشمئز منها وأقاومها، فكيف لي إذن أن أسقط فيها بل وألتذ لذة شديدة للانزلاق فيها. ومن ناحية أخرى، تدفع النظرة البرانية للحديث الشريف إلى الاعتقاد بعدم وجود تناسب بين الفعل المجرَّم والعقاب المقرر؛ فالجزاء مهول مروع وهو نار الجحيم، الذي هو جزاء الكفر بالله أو قتل النفس المحرمة، في حين أن الفعل بسيط هين، بل إنه ليس فعلاً خارجياً وإنما فعل جواني، إنه مجرد الإحساس بالسرور لمثول الناس قياماً، أي أنه من أعمال القلوب لا الجوارح، كما يقول المتصوفة.

ولما كان الامتثال للأمر الإلهي غير متوقف على إدراك الحكمة منه، فقد استطعت كف نفسي عن الفعل القلبي ذاك، بل وتحويل دفة إحساسي الداخلي من الإلتذاذ بمثول الناس قياماً إلى الخوف من ذلك التصرف ثم الاشمئزاز الصادق منه، ومع ذلك ظلّ هذان التساؤلان يترددان في صدري. ولم أستطع الوصول إلى إجابة تشفي صدري إلا حينما أدركني الحكيم أفلاطون الإلهي بقوله في كتاب (القوانين) أن الكيان الإنساني أضعف وأكثر هشاشة من أن يحتمل السلطة، بمعنى أن تركز سلطات هائلة في يد شخص واحد بحيث يمكنه التحكم تحكماً هائلاً في الآخرين، إنما يصيب من ينوء بذلك بالجنون. والحقيقة أن هذا الجنون لا يتمثل في زوال العقل بالمعنى المعتاد، الذي نراه لدى المصابين بالعته أو الخبل، لكنه وللدهشة الشديدة لا يختلف عنه كثيراً. فقياساً على ما أورده فوكو في دراسته للجنون من أن كثيراً من هؤلاء المرضى يخالون أنفسهم ملوكاً وأنبياء مرسلين، بما يرفعهم فوق رقاب العباد، فالمعنى الذي يقصده الحكيم أفلاطون هو أن هؤلاء القابضين على زمام السلطة يخالون أنفسهم، وهم بالأساس ملوك، أعلى وأسمى من أولئك البشر المحكومين. إنهم في الحقيقة يتألهون؛ أي يظنون أنفسهم آلهة، ويتصرفون على أساس أنهم آلهة ويطالبون الآخرين - حتى شركاءهم في الحكم -، أن يعاملوهم كآلهة، وفي هذا بالطبع ما يشبه الجنون المعتاد، إذ أنهم يتخيّلون أنفسهم على خلاف ما هم عليه ويتعاملون مع الآخرين بناء على ذلك. ولكن هذا الجنون التسلطي يفوق الجنون المعتاد في عمق واتساع نطاق ضرره، إنه جنون مرعب يسخر الإمكانات الهائلة لأمة أو شعب لإرضاء المجنون، الذي لن يشعر بالرضا أبداً لأنه ببساطة فاقد العقل والتفكير. ومثلما يُذهب الخمر والرغبة فيه والاستمتاع به وإدمانه بعقل الإنسان، فإن خمر التسلط ولذته يذهبان بعقل المتسلط بعد إدمانه لهما فيتحول إلى متأله، لا إله بطبيعة الحال.

أنظر على سبيل المثال في تلك المحاورة القرآنية بين الخليل إبراهيم عليه السلام والملك المسمى بالنمرود، كيف أوصلت لذة التسلط هذا الحاكم إلى ادعاء الألوهية، بما جعله يحاول بصورة واضحة التلفيق انتزاع أو على الأقل إدعاء انتزاع السلطة الإلهية على الحياة والموت، التي هي سلطة خلق وإيجاد. هذا المنطق الأعوج القائم على المماثلة بين القدرة الإلهية على الإحياء والإماتة والقدرة البشرية على الاستحياء والاستهلاك إنما يصدر عن سقم تفكير المتأله، الذي أذهبت خمر التسلط برأسه فصار ينسب الألوهية لنفسه ويفرضها على الآخرين فرضاً. وكذلك الأمر حينما يمارس الفرد الفاني سلطة شعيرية تتغلغل في ثنايا وأعماق الجسد الإنساني بما يجعله الفرد والمجموع منه أشبه لعبة بشرية، كما يرى فوكو في المؤسسات الانضباطية الحديثة مثل المدرسة والجيش والمصنع والسجن، فلا شك أنه سيتلبس كالنمرود برداء التأله كشكل من أشكال خبل السلطة الذي عرفنا به أفلاطون. ولذلك لا يستطيع هذا أن يتقبل أدنى مراجعة أو مشاورة أو معارضة لأنه (لا يسأل عما يفعل وهم يسألون). وفي حين يستند مبدأ التحريم في (لا يسأل عما يفعل وهم يسألون)، في حالة الإله الحق العلي الصمد الكبير المتكبر، على معاني الحكمة الإلهية، التي قد لا ترقى إليها عقول البشر في حينها، وإن كان لا ينبغي عليهم تفويت فرصة الإفادة منها لحين إمكان إدراكها، فإن تحريم المساءلة والسخط منها في حالة المتسلط المتأله ينبع فقط من الألم الممض، الذي يصيب المتأله جراء حرمانه من التسلط الذي أدمن التلذذ به والاستمتاع بممارسته، دون وجود أدنى حكمة في واقع الأمر. فأنى لمن أصيب بخبل السلطة فادعى لنفسه صفات الألوهية، كالعلو والاستكبار والعظمة والجبروت، وحقيقة وجوده هي النقيض من ذلك تماما، أن يتمتع بأي عقل تصدر عنه أي حكمة؟! بل لا ينتج عقله السقيم سوى خيالات سقيمة مثله، وهي وإن كانت من المضحكات إلا أنه بحق ضحك كالبكاء.

وهكذا لما كانت ولاية المتسلط المتأله ستحط من شأن المحكومين إلى الدرك الحيواني، حيث أن المتأله بسقم فكره وتسلطه يجردهم من بشريتهم ويسحق إنسانيتهم، فإن هؤلاء سيخسرون كل فرصة للفلاح الدنيوي والفوز الأخروي ليصيروا من تعساء الدارين، ولما كانت بداية هذه القصة البئيسة هي تلك المسرة البسيطة بمظهر من أبسط مظاهر التسلط، فقد قضت الحكمة الإلهية، للإله الحق، من أجل قطع الطريق على ظهور الأرباب الأرضية الزائفة المتسلطة على رقاب العباد، ليس بتحريم فعل التسلط وإنما بتحريم المقدمات القلبية لأدنى أشكال فعل التسلط، حتى قبل ظهوره إلى حيز الوجود، أي مجرد محبته وتمنيه، وأيضاً بمجازاة ذلك الشعور – الهين في حسبان البشر والعظيم عند الله– المفضي إلى الطاغوت بمقعد معد في نار الجحيم. إن الجزاء الإلهي العادل لم ينصب على تلك البداية اليسيرة ولكن على النهاية البئيسة المحتومة.