أعتقد أن تداعيات ما يحصل الآن في الولايات المتحدة سيكون ضخماً. هناك نوع من الانهيار الحاصل في المجتمع والنظام السياسي الأميركي. نرى الآن أن الحرب الأهلية الاميركية لم تنتهِ طيلة القرن الماضي. بين الديمقراطيين والجمهوريين يوجد اليوم قتال حقيقي وحرب حقيقية ومن الواضح أن الديمقراطيين، وليسقطوا ترامب، اختاروا اللجوء الى ما يسمى بالثورات الملونة وتجارب "الربيع العربي" كما حصل في اوروبا الشرقية وجورجيا واوكرانيا والبلاد العربية. هناك نوع من الثورة الاميركية المنظّمة من الديمقراطيين لنسف ترامب. مع ترامب حصل الانفصال الحقيقي داخل النخب الأميركية الذي كان يتخمّر خلال العقد الأخير. ترامب من خلال سياساته الإنعزالية والـ"قومية" أعاد احياء التناقضات الكبرى والأصلية بين الحزبين الاميركيين وعلى أكثر من جبهة أي بين الديمقراطيين والجمهوريين وبين الجنوب والشمال وبين البيض والسود والملونين. كما نرى مدى تجذّر النزعة الفوضوية في شخصية الشارع الأميركي، حيث لم يتمّ علاج شيء من مشاكل أميركا، لم يتم إنجاز أي شيء فعلي متعلق بالعدالة الحقيقية بين الأغنياء والفقراء، بين البيض والسود، بين الطبقات المسحوقة والعليا. نحن نشهد انهيار الحلم الأميركي، فأميركا اليوم هي نوع من الهشيم الذي لم يعد يغري أحداً في العالم ليحتذي به، بل هي بلد ممزق بالتناقضات وصولاً التي أوصلتها إلى هذه اللحظة المصيرية.
في الحقيقة، إنّ أهمية من يفوز بالانتخابات الرئاسية ثانوية، فالبلد مهشّم ولم يعد له دورٌ نموذجي عالمي. إنّها نهاية الفقاعة الأميركية. تبعات هذه الانفجارات الداخلية ستكون ضخمة. علينا إعادة موضعة الولايات المتحدة في خريطة المشهد السياسي العالمي. . أيّها الأميركي، عندما يكون لديك كل هذه المشاكل الداخلية لا يمكن أن تشكّل وكيلاً حصرياً للحقيقة المطلقة ومصدّراً لقيمك الى العالم. لا يوجد تماسك في نسيج مجتمعك الداخلي فلا يوجد لديك داعٍ ولا سببٌ للتوسّع وتعميم مشاكلك الداخلية حول العالم. عليك أن تتقبّل أنّه جاء عصر نهاية "البرستيج الأميركي".

أنا متأكد من أنّ الولايات المتحدة دخلت بالفعل مرحلة الانقباض الداخلي. يمكن التكهّن بثلاث مسارات للمشهد الفوضوي الأميركي في المستقبل القريب: اذا فاز بايدن فلن يكون بمقدوره إيقاف الفوضى، الديمقراطيّون يدعمون المظاهرات ولكنّهم ليسوا المنظمين الوحيدين لها ولا المتحكمين بها تماماً. من السّهل أن يشجّع سياسيو الحزب الديمقراطي المحتجّين على تدمير مرافق النظام العام واحتلال مركز الشرطة في سياتل مثلاً، لكنه ليس من السّهل إقناع هؤلاء بعدم تكرار هذا الأمر اذا فاز بايدن مثلاً.  لن يعالج فوز بايدن او الديمقراطيين شيئاً. بايدن سيصبح مكروهاً في اليوم التالي في حال فوزه من قبل مؤيدي ترامب وسوف يحتجّون بشكل عنيف ويتحدّثون عن تزوير في الانتخابات وهو لن يصبح رئيساً لمجتمع منسجم ومتناغم بل سيكون مكروهاً من نصف المجتمع الاميركي. سيبدأ الترامبيون فوراً بتنظيم صفوفهم ليدافعوا عن رؤيتهم للمجتمع الأميركي الذي يريدونه ضد رؤية الرئيس "الضعيف" برأيهم. نعم قد تقترب أميركا من حرب أهلية ولن يكون الأمر سهلًا.
أمّا في حال فاز ترامب، فستبقى التظاهرات وتتزايد وسيكون على ترامب استخدام العنف والقوة لوقف الاحتجاجات واثبات أنّه رئيس قوي. معركة الفوز بالانتخابات هي المعركة الاولى بالنسبة له، المعركة الثانية ستكون إعادة الهدوء للمجتمع الاميركي. في الحالتين سواء فاز بايدن أم ترامب فإنّ أميركا ستكون أضعف بكثير ولن تكون بقوّتها التي يعرفها العالم.
ويبقى الاحتمال الثالث، وهو وارد، أن لا يفوز أحد في الانتخابات. اذ أنه من الممكن أن لا تحصل الانتخابات في موعدها مع احتمال تصاعد العنف والفوضى في الشارع الاميركي قبل الانتخابات. أميركا وحشٌ جريح، تنينٌ جريح يقاتلُ ليبقى، ولكنّ قوّته المطلقة انتهت حتماً ونحن اليوم نشهد انتهاء مرحلة السيطرة الاميركية على العالم وزوال الوهم الاميركي. نعم، التنين الجريح يعني أنّ الوضع خطيرٌ جداً ويمكن أن يقوم الوحش بانتفاضة ما وأن يهاجم بشكل غير عقلاني انطلاقاً من استشعاره خطورة الوضع.

الانهيار الأميركي سيؤثّر على العالم حتماً واوروبا بشكل خاص. قد تنتقل عدوى تظاهرات الـBLM إلى أوروبا وبريطانيا لكن بشكل تصنّعي، فالسّود يمثلون جزءاً صغيراً من الشعب الأوروبي فيما المهاجرون هم الذين يمثّلون جزءاً وازناً. المهاجرون هم الضحايا وكذلك العمّال المستَغَلّون ضحايا. والمجتمع الاوروبي اليوم يخسر فرص العمل فيما الهوية الاوروبية دمرتها العولمة، في الوقت الذي تبدو فيه النخب الاوروبية غير منسجمة مع هذه الطبقات وحركة السترات الصفراء مثال. فالمهاجرون هم الذين يستوردون اليوم وعي السود الأميركيين إلى أوروبا، هذا من جهة، ومن جهة أخرى يقف الأوروبيون المتعصبون الذين يرفضون تسليم أوروبا إلى المهاجرين ويحملونهم مسؤولة خسارتهم وظائفهم ونمط حياتهم المرفّه. لا شكّ أنّ صداماً سيحصل في أوروبا كارتداد للمشهد الأميركي. الوضع في القارة العجوز سيكون صعباً، وأعتقد أنّ هذه هي نهاية الليبرالية الغربية كنموذج حضاري. كما انهارت النازية والشيوعية، اليوم تنهار الليبرالية، الأيديولوجيا التوتاليتارية للغرب الاستعماري والتي تبدو من الخارج أنّها مناهضة للتوتاليتارية بينما هي في الواقع نسخة معطّرة ومجمّلة تنكشّف عورتها اليوم.

من منطلق جيوبوليتيكي، وبخصوص البدائل التي ستملأ الفراغ الأميركي، سيكون هناك تعدديّة أقطاب في العالم الجديد. لن يكون هناك قطبان أو ثلاثة أو حتى أربعة أقطاب يمكن أن تملأ الفراغ، بل نتحدّث عن نظام عالمي أكثر تعقيداً. لن يكون العالم الجديد صينياً او ملحداً او شيوعياً او اسلامياً او بوذياً.. الأقطاب لن تمثّل البلدان بل الحضارات والتي عليها تأسيس توازن قوى وحدود جديدة لنفوذها وهكذا ستكون المعادلة السياسية الجديدة. اليوم يمكن أن نقول أن الأقطاب الأساسية التي تملك حيثية واضحة ويمكن اعتبارها حضارة هي روسيا والصين وأوروبا وأميركا طبعاً، أمّا الآخرون فعليهم أن يتّحدوا ويجتمعوا لتشكيل جهات عالمية و"حضارات" يمكن أن تجلس الى طاولة الأقطاب العالمية. يجب أن يكون العالم الجديد في حال تعاون وعمل لأجل حل مشاكل البشرية. سيكون العالم محكوماً أكثر بعلاقة ديالكتيكية بين الحضارات  وليس بالضرورة كما يقترح هنتينغتون من صدام ومواجهات بين الحضارات.
والنسق التعددي في قيادة العالم لن تصلح له أدبيات العالم السياسي الغربي الحديث الاي ستصبح بالية. الشيوعية والليبرالية والقومية لم تعد تصلح. نحتاج إلى شيء أكبر من الفاشية والشيوعية والليبرالية لقيادة العالم. لا شكّ أنّ جذور مجتمعاتنا الثقافية سيعاد تشكيلها وأعتقد أنّ الدين سيعود له دوره الكبير في صناعة المجتمعات القادمة صياغة عقول شعوبها، والسياسة الجديدة يجب أن تكون مختلفة عن السابقة وسيكون هناك ضرورة لتقبّل تعدد الرؤى والنظريات السياسية وفي إطار خال من الحروب والعنف بل ضمن علاقة ايجابية. يجب القيام بمراجعة دقيقة وجدية لأخطاء العالم الاستعماري والغرب الليبرالي ليستفاد منها في التجربة الحديثة لصناعة مستقبل عالمي مختلف عن التاريخ الذي أوصلنا إلى هذه النقطة.