باعة الطريق الجديدة يُذيعون سعر الصرف لبعضهم، مسير طويل بين الأحياء يتخلّله تغيّر في قيمة ما يملكونه. حياتهم تتغير بين ساعة وأخرى، ومستقبل سوقهم التجاري لا يشي بالتفاؤل. ومع ذلك، لا يجمع سكان هذه "الطريق" على موقف واحد، ولا يتفقون على شخص أو فئة يرمونها بنقمتهم على ما آلت إليه أحوالهم. لا شكّ بأن أسهم سعد الحريري في "الطريق" متراجعة بشكل غير مسبوق بعد سلسلة من النكسات السياسية والمالية التي عاناها وحزبه، لكنه "ظلَّ الزعيم السني الوحيد لعدم توفر زعيم آخر في بيروت" قال أحد تجار الطريق الجديدة.

فقد سعد الحريري منذ زمن أدوات أساسية تضمن تماسك حزبه، أوّلها الانخراط الشعبي ببيئته الداعمة، والثانية تأمين الرعاية المالية المستدامة لمواليه. "كان رفيق الحريري يأتي إلى طريق الجديدة ويمشي بين الأحياء، ويسلّم على العمال وأصحاب المحال. ذات مرة دخل المعمل هنا وسلّم عليّ" قال سيد فرحات، المصري الذي عاش هناك لعقدين. عمل رفيق الحريري، خاصةً في بداية تحوله السريع من مقاول يفتح الطرقات المغلقة بالمتاريس بآليات "تقدمة خادم الحرمين" ويبعث بالطلاب إلى الخارج، ويوزّع الغذاء على السنّة، إلى رجل الإصلاح السياسي، على تقديم نفسه بأنه الأب الراعي لمصالح السنة الفقراء ولحاجاتهم الأساسية. سعد عمل كذلك على الاستمرار في أساليب أبيه، خاصةً في السنوات التي تلت اغتيال الأب، لكن الأول كانت تنقصه كاريزما الأب وأمواله، وهذا ما انتهى به لأن يكون معزولاً في بيت الوسط، أو نائياً في باريس، حتى إذا وجد نفسه خارج الحكومة وبعيداً عن الصخب السياسي "عاد ليصلي صلاة العيد هنا في الطريق الجديدة.. جمعوا له شباباً من الأحياء ليقفوا ويحيّوه، لكنّ الناس لم يأتوا".

الضائقة المالية التي يعاني منها الحريري منذ سنوات، انعكست على البنية التنظيمية لحزبه. الموظفون الذي كانوا يتقاضون رواتب ثابتة من "المستقبل" تضاءل عددهم، فيما صرف عدد كبير من موظفي الشركات التي "يمون" عليها حزبه، وظلّ الدعم متمثلاً بشكل رئيسي بصناديق الغذاء ومواد التنظيف، وهو الأمر الذي لا يرغب حتى أشدّ المخلصين للمستقبل هناك بأن يُشاع.

عدد من شباب شارع "أبو سهل" يرون أن سعد الحريري وحده القادر على إعادة الاستقرار للبنان. يقولون أنّهم نزلوا في بداية انتفاضة تشرين لكنهم حين علموا أن السهام مصوبة نحو زعيمهم فقط، عادوا وتراجعوا، ثم عادوا ونزلوا لضرب "أبو حلقة وغيتار" في إشارة إلى "اليساريين" وموظفي الجمعيات غير الحكومية. يصرّون على أن حكومة حسان دياب هي التي فشلت في الحفاظ على إرث سعد الحريري الحكومي، وفي الحفاظ على سعر الصرف الذي ثُبّت في عهد الحريري الأب، وأنهم سينزلون إلى الشارع لإسقاطها متى ما "أتى الأمر"، ويشيرون إلى أنهم اليوم أكثر تسليحاً واستعداداً من أيار الـ 2008، وإن كانت أحوالهم المادية أسوأ بأضعاف. "لا شيء يجمعنا بالخندق الغميق" يقولون، وإذا ما واجهناهم فسنقاتلهم.

الجيل الأكبر يعرف كيف "دمّر آل الحريري الطريق الجديدة". يقول محي الدين حبش أنّ رفيق الحريري سلب أهالي المنطقة "الأصليين" حقوقهم وجعلهم "زبائن" عنده. يشير إلى يده ويقول "بهذه كنت أوزع المواد الغذائية التي جلبها رفيق عند انتهاء الحرب"، ثم يضيف "ومع ذلك أرى أنه السبب في الأزمة التي نعيشها اليوم.. يقولون أزمتنا عمرها 30 عاماً، حسناً من كان منذ 30 عاماً؟ لماذا لا يذكرون اسمه؟" لحبش مشكلة "شخصية" مع الحريري الأب، فهو واحد ممن أودعوا ملايينهم في تعاونيات لبنان (coop) وجنوا بعض الأرباح قبل أن يدبّر الحريري "تفليسة" التعاونية التي كان يديرها منافسه في الانتخابات منير فرغل. كانت خسارة كبيرة لسكان الطريق الجديدة الذين أودعوا أموالهم في هذه التعاونيات، أو وظفوا أولادهم فيها، لكن "الحريري وعدنا بأن الأمور ستحل بعد الانتخابات.. لكني لم أصدقه ولم أنتخبه".

تبقى المفارقة أن الطريق الجديد التي نزلت عام 1970 في مظاهرة أولها قرب السفارة المصرية وآخرها قرب الجامعة العربية، لعزاء مصر بمأساتها بوفاة جمال عبد الناصر، يخرج بعد نصف قرن، بعض شبانها الذين يقودهم موسى القرمبي ونبيل الحلبي وجيري ماهر، ليصنعوا لمتمول جديد زعامة جديدة، فوق كثيب من الخوف والقلق الذي يعشيه أبناء هذه المنطقة.