لا يمكن تحديد تاريخ دقيق لمهام البنتاغون في نقل السلاح من شرقي أوروبا إلى الشرق الأوسط. لكن غزو العراق عام 2003، بالتأكيد، كان محطة مفصلية في تاريخ بدء العمليات السوداء المتعلقة بنقل السلاح. تظهر تقارير هيئة الإبلاغ عن الجريمة المنظمة والفساد (OCCRP) الدولية وجود كميات ضخمة من الأسلحة كانت قد بدأت بالتسرب إلى العراق بعيد غزوه بقليل. كان مصدر السلاح على الدوام شرقي أوروبا: البوسنة والهرسك وصربيا تحديداً.

عام 2012 تصاعد تدفق السلاح بشكل أكبر ناحية المتوسط بفعل اشتعال الأزمة السورية وتدهور الوضع الأمني في العراق. اعتمدت وزارة الدفاع الأميركية آنذاك على جيش من المقاولين ضم شخصيات وشركات عسكرية عملاقة، وصولاً إلى شركات وشخصيات مرتبطة بالجرائم المنظمة. كانت غاية وزارة الدفاع (البنتاغون) تزويد المقاتلين المؤيدين للولايات المتحدة بما يصل إلى 2.2 مليار دولار أمريكي من السلاح السوفياتي. ما بين عامي 2012، وأيلول 2015، بلغ حج مشتريات رشاشات الكلاشينكوف والقاذفات الصاروخية (RPG) وقذائف الهاون وحدها أكثر من 700 مليون دولار.

اعتمد البنتاغون في عملياته تلك على "وحدتين" أشرفتا على نقل السلاح، تتبع الأولى لقيادة العمليات الخاصة (SOCOM)، فيما ترجع الأخرى لـ"Picatinny Arsenal"، وهي إحدى مؤسسات تسليح الجيش الأمريكي غير المعروفة في نيوجيرسي.

المفارقة أن الولايات المتحدة لم تكن المورّد الرئيس للسلاح إلى منطقتنا. فبالإضافة للـ2.2 مليار دولار من الأسلحة التي تكفّلت بها أميركا، أنفقت السعودية هي الأخرى 1.2 مليار يورو حتى نهاية عام 2015، ثمناً للأسلحة التي عرفت طريقها إلى سوريا.

هكذا بدا أن ثمة قناتين رئيسيتين لإيصال السلاح إلى منطقتنا. الأولى برعاية وإشراف السعودية بالتعاون مع وكالة الاستخبارات المركزية الـCIA، أما  الآخرى فبإدارة مباشرة من البنتاغون (وزارة الدفاع الأميركية).

خط وزارة الدفاع الأميركية:

تعطي وزارة الدفاع الأميركية الأولوية لمؤسسات قدامى المحاربين في مسألة صفقات الأسلحة. لذا فإن الكثير من الصفقات يشوبها التجاوزات. تتدخل لوبيات السلاح والمال وقوى الضغط والنفوذ في أروقة البنتاغون للمنافسة على الصفقات المربحة. لا يقتصر التنافس على الساحة الأميركية فحسب. لشركات السلاح علاقات عنقودية، وشبكية ممتدة في أكثر من دولة وقارة. كمثال، تشكل شركة Purple Shovel (ومقرها فرجينيا) واحدة من كبريات شركات تهريب السلاح في الولايات المتحدة (عام 2014، أمّنت هذه الشركة صواريخ الـTAW المضادة للدبابات بصفقة بلغت 27 مليون دولار). تستأجر Purple Shovel شركتين أخريين هما Regulus Global و Skybridge Tactical لمساعدتها في تلبية طلبات وزارة الدفاع الأميركية على السلاح. فيما تقوم Regulus Global بتكليف بعض أعمالها الخارجية لشركة Alguns Ltd التي تتخذ من صوفيا مقراً لها. مالك الأخيرة ألكسندر ديميتروف، شريك بويان بيتراكييف - Boyan Petrakiev "بارون الجريمة المنظمة في بلغاريا".

مثال آخر على تداخل الخارج والداخل في مسألة السلاح في الولايات المتحدة.Global Ordnance (ومقرها فلوريدا) هي واحدة من شركات تهريب السلاح من صربيا وبلغاريا إلى سوريا. للشركة علاقة شراكة مع العملاق العسكري البريطاني Chemring (أمنت هذه الشركة سلاحاً للمعارضة السورية المسلحة، بلغ قيمته 166 مليون دولار حتى عام 2016) وشركة Vose Technical Systems (حصلت هذه الشركة على صفقات من البنتاغون بلغت 15.6 مليون دولار). أما Picatinny، الشركة التي فازت بصفقة 750 مليون دولار عام 2016، لتزويد المعارضة السورية بالسلاح لمدة خمس سنوات، فقد عهدت أعمالها إلى كل من Chemring البريطانية وAlliant Techsystems Operations (قبل أن تنضوي الأخيرة تحت مظلة Orbital ATK).

فضائح وصفقات مشبوهة:

فقدت وزارة الدفاع الأميركية بين عامي 2004 و2005، ما يقرب من 190,000 قطعة سلاح كانت قد قدمتها لقوات الأمن العراقية، وفقا لتقرير صادر عن مكتب محاسبة الحكومة عام 2007. تشير تقارير أخرى إلى حجم فساد لا يستهان به في عمليات نقل السلاح، لكن الفضيحة الأكبر في تاريخ هذه الصفقات كان في حزيران من العام 2015، عندما وقع انفجار في منطقة اختبار أسلحة في بلغاريا أدى إلى مقتل فرانسيس نورويلو، المدرب في الجيش الأمريكي. كانتPurple Shovel، تقوم بتوريد السلاح الصيني الصنع بإعادة تغليفه في ألبانيا، كما وتستخدم قذائف عمرها أكثر من 30 سنة. في أعقاب تلك الفضيحة، تم تسليم مهمة تأمين الذخيرة إلى Picatinny Arsenal (في نيوجيرسي)، التي عملت على تزويد وحدات حماية الشعب الكردية بالسلاح، منذ عام 2017.

مراحل متدرجة في إمداد السلاح:

مع اجتياح داعش لسوريا عام 2014، أطلق البنتاغون على عجل برنامج تدريب وتجهيز في سوريا بقيمة 500 مليون دولار، أواخر ذلك العام. كُلفت SOCOM وحدة العمليات الخاصة، آنذاك، بشراء الأسلحة. لكن البرنامج انهار بعد تسعة أشهر، بسبب تسرب عدد من المدربين وعودتهم للتنظيمات التكفيرية. ما جعل البنتاغون يسارع إلى خطة جديدة اعتباراً من أيلول 2015، باعتماد سياسة تدريب الفصائل الموجودة، لا تأسيس فصائل جديدة.

وصلت الشحنة الأولى (وقُدّرت بنحو 50 طناً من الذخيرة والقذائف الصاروخية) في تشرين الأول - أكتوبر 2015، أي بعد شهر واحد فقط من بدء وزارة الدفاع الأميركية سياستها الجديدة. كانت الشحنة الأولى قد أُرسلت لقوات سوريا الديمقراطية في الرقة، وتم إيصالها من خلال الإنزال جواً.

مع بدء عام 2016، لاحظ عدد من المراقبين في  BIRN و OCCRP في بورغاس  - بلغاريا -، بدء حركة ملاحة بحرية لسفن تتجه غالباً إلى تركيا والأردن. في أيلول من العام 2016، تبيّن أن السفن تلك تمثل جزءاً من أسطول حركة إيصال السلاح إلى سوريا.

في ميناء بورغاس كانت عمليات الشحن في الثاني والعشرين من أيلول عام 2016 لافتة أيضاً، لناحية الإجراءات الأمنية المشددة وطبيعة المواد المحملة في سفينة الشحن التجاريMV Norfolk. كانت السفينة تقل نحو 1600 طن من الذخيرة قاصدة تركيا والأردن، ومن هناك إلى سوريا بالطبع.

سفينة MV Norfolk تلك كانت الرابعة من نوعها في أقل من 12 شهراً. بحسب تقديرات تقارير منظمات مراقبة الجريمة المنظمة فقد نقلت السفن التجارية من مينائي بورغاس وكونستانتا وحدهما ما يزيد عن الـ 6300 طن من الأسلحة والذخائر السوفياتية الصنع إلى سوريا. لمنظمة مراقبة الجريمة المنظمة تقارير تفيد بأن سفينة شحن واحدة حملت في شهر آذار من العام 2016، ما يزيد عن الـ13 مليون رصاصة و35000 صاروخ و6000 قطعة سلاح فردي ومتوسط.

شقت هذه الأسلحة طريقها عبر البحر الأسود وصولاً إلى البحر المتوسط (ميناء جيهان التركي، وميناء العقبة الأردني على البحر الأحمر). ومن هناك، قام الجيش الأمريكي بأكثر من 20 عملية إسقاط جوي للسلاح، بواسطة طائرات شحن عسكرية عملاقة من طراز C-17، بغية إيصال السلاح للجماعات الموالية لأميركا.

بحلول أيار من العام 2017، كانتSOCOM  قد اشترت بما قيمته 238.5 مليون دولار من الأسلحة والذخيرة من كل من بلغاريا، البوسنة والهرسك، التشيك، كازاخستان، بولندا، رومانيا، صربيا، وأوكرانيا، أضيف إليها ما قيمته 172 مليون دولار بداية عام 2018، قبل أن تخصص إدارة ترامب مبلغاً إضافياً قدره 412 مليون دولار في نفس العام لـSOCOM لتدعيم عمليات نقل السلاح.

ألمانيا: مركز إمداد لوجستي!

شكلت القواعد الأميركية في ألمانيا ورومانيا نقاط ارتكاز رئيسة في عملية نقل الأسلحة إلى سوريا وعموم الشرق الأوسط. قاعدتا رامشتاين الجوية جنوب غرب ألمانيا، وفرانكفورت كانتا إحدى أبرز نقاط الارتكاز في عمليات نقل السلاح تلك. ما بين أيلول 2015 وأيار 2017، عبر سلاح فاقت قيمته 700 مليون دولار من خلال تلك القواعد. لكن وثائق مسربة عام 2016، كشفت قلقاً ألمانياً متفاقماً بشأن عمليات نقل الأسلحة بعد جملة من التقارير الصحافية والنقاشات البرلمانية، الأمر الذي حدا بألمانيا لتشديد الرقابة على معرفة شهادات أوراق الجهة النهائية المستخدمة للسلاح.

في 23 كانون أول 2016، ووفقاً لبريد إلكتروني مسرب من البنتاغون، لفتت SOCOM عناية متعاقديها الأمريكيين، إلى أن وزارة الخارجية ستتولى مسؤولية طلب تراخيص عبور جديدة للسلاح في ألمانيا، لكن التصاريح "ستستغرق وقتًا أطول من المعتاد نظرًا لوجود عدد كبير من الطلبات والأسئلة من السلطات الألمانية" الأمر الذي رتب على البنتاغون زيادة 23 مليون دولار بدل كلفة الطرق الجديدة لإيصال السلاح.

الخط السعودي في تهريب السلاح:

كان عام 2015، العام المفصلي في الحرب السورية وفي عموم أحداث منطقتنا. سجل ذلك العام بدء العدوان السعودي على اليمن، بالإضافة لدخول روسيا الحلبة السورية عسكرياً. على مستوى الإمداد التسليحي، شهد ذلك العام تحولاً مفصلياً في الدور الصربي. كانت صربيا بداية الحرب السعودية على اليمن قد دخلت سوق المنافسة مع نظيراتها من دول البلقان لكسب صفقات تصدير الأسلحة إلى الشرق الأوسط. اعتمدت كبريات شركات السلاح الصربية آنذاك وسيط الأسلحة البلغاري بيتر ماندجوكوف رئيس شركة BIEM لتصدير الأسلحة، الذي عمل على مد السعودية بالسلاح السوفياتي بين عامي 2015 و 2016. "ذئب البراري" الصربي، السلاح المتوسط الذي تنتجه شركة زاستافا كان أحد علائم هذا التحول.

فبالرغم من موقف صربيا المتحفظ في مسألة بيع السلاح لمقاتلين ضد الدولة في سوريا، إلا أن متابعة المعلومات الرسمية لحسابات Zastava عام 2015، أفضت للكشف عن صفقة بـ3 ملايين دولار كانت قد دفعتها BIEM الشركة البلغارية الوسيطة مقابل 205 مدفع رشاش من نوع "ذئب البراري" الصربية، والتي وجدت طريقها إلى السعودية، ومنها إلى سوريا واليمن في ما بعد.

كان "ذئب البراري" الفاتحة، لتتوالى بعده الصفقات مع بدء الحرب السعودية على اليمن، إذ وافقت صربيا على تصدير أسلحة وذخائر بقيمة 150 مليون دولار إلى المملكة العربية السعودية مع بدء العدوان السعودي على اليمن مباشرة.

الأغرب من ذلك أن كثيراً من صور ومرئيات تنظيم "الدولة الإسلامية في اليمن" كانت تُظهر علامات الأسلحة الصربية المصدرة إلى السعودية من قبل.

في تحقيقها عن تهريب السلاح إلى الشرق الأوسط، كشفت الصحافية البلغارية ديليانا غايتاندزييفا، من خلال التدقيق بأرقام صناديق السلاح الظاهرة في مرئيات تنظيم داعش في اليمن (منها فيديو صدر عن تنظيم داعش في 27 تموز 2019)، أنه قد تم استيراد الكثير من هذه الأسلحة من مصانع كروسيك الصربية، فيما تم استيراد قذائف الهاون من البوسنة والهرسك. أما الأسلحة الفردية الخاصة بداعش في اليمن فكانت من إنتاج مصنع الأسلحة البلغارية أرسنال. ودائماً ما كان المستورِد لهذه السلاح هو السعودية.

تؤكد ديليانا نتائج تحقيقها من خلال الوثائق التي استحصلت عليها من شركتي السلاح Krusik وJugoimport SDPR، اللتين هرّبتا ما لا يقل عن 3 ملايين قطعة سلاح صربي (قذائف هاون وصواريخ) إلى اليمن وسوريا بين عامي 2016 و2019. كانت قذائف الهاون قد عرفت سبيلها من شركة Jugoimport SDPR الصربية لصالح  شركة Alliant Techsystems LLC الأميركية وصولاً إلى السعودية ثم اليمن أو سوريا.

تعرض ديليانا عدداً من العقود الموقعة بين الشركات تلك. فوفقًا للعقد MP00135498، الموقع في 20 كانون الثاني 2017، اشترت الشركة الأمريكية Alliant Techsystems LLC بموجب عقد فيدرالي أمريكي رقمه W52P1J16D0058-0007 قذائف هاون عيار 82 ملم "لتلبية احتياجات الحكومة الأمريكية". كان المصدر هو Jugoimport SDPR - صربيا، والشركة المصنعة هي Krusik الصربية. أما الوجهة، فكانت لصالح القيادة الانتقالية المشتركة لأمن أفغانستان (CSTC-A CJ4)، كابُل. بلغت قيمة الصفقة ما يزيد عن الخمسين مليون دولار (ممتدة لسنتين 2017 – 2018) أما طرق وصول السلاح من أفغانستان إلى اليمن والسعودية، فترجع التحقيقات وجود احتمالين؛ الأول تورط شركات خاصة أميركية ذات صلة بالإماراتيين، والثاني، استخدام السعودية نفوذها غير الرسمي لتسريب هذا النوع من الأسلحة. في الحالتين: أميركا متورطة مباشرة أو بشكل غير مباشر.