عقب تولي السياسي المحافظ محمد باقر قاليباف رئاسة الدورة الجديدة لمجلس الشورى الإسلامي في نهاية مايو/أيار أجرى مكالمة مع نظيره التركي مصطفى سنتوب تحدث فيها قاليباف عن ضرورة تعزيز التعاون الإيراني – التركي لأمن وسلام طويل الأمد في الإقليم. تلقى في المقابل قاليباف دعوة لزيارة تركيا. ثم توجه وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف إلى أنقرة في منتصف يونيو/حزيران للقاء نظيره التركي أحمد شاويش أوغلو وتحدث الجانبان عن موضوعات متعددة أبرزها سوريا وليبيا والغاز الطبيعي. كانت هذه الزيارة الخارجية الأولى لظريف منذ بداية جائحة كورونا.

الأولوية التي أعطاها قاليباف لتركيا في أولى تصريحاته كرئيس للمجلس ثم زيارة ظريف إلى تركيا هي رغبة إيرانية في رأب صدع بين البلدين أخذ في التوسع عام 2019 ووصل إلى ذروته في الشهور الأولى من العام الجاري. أبرز ملامح هذا الصدع كان تغير ملامح قواعد الاشتباك بين البلدين في سوريا من الاشتباك بالوكالة إلى الاستهداف المباشر لقوات بعضهما. في فبراير/شباط ومارس/آذار قتل حلفاء إيران العشرات من الجنود الاتراك في إدلب ثم استهدفت تركيا قوات حزب الله وعناصر أخرى. كانت المرحلة التي أعقبت اغتيال قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإسلامي قاسم سليماني مرحلة أراد فيها الجانبان اختبار تبعات غيابه في الميدان سواء بإثبات استمرارية قوة الردع وذلك من طرف إيران أو تحدي وإستغلال الغياب من طرف تركيا.

تآكل قواعد الاشتباك الثابتة منذ سنوات كان وراءه تقوض الدعامة الاقتصادية للعلاقات الإيرانية – التركية والتي ساهمت – إلى جانب علاقات الجوار التاريخية – في تشكل حائط عزل – من خلال شبكة من المصالح – لضبط إيقاع العلاقات ومنع التنافس الإقليمي من الإنفلات. الاقتصاد كان البوابة التي توسعت من خلالها العلاقات بين طهران وأنقرة في العقد الأول من الألفية الجديدة، مع سعي وزير الخارجية التركي الأسبق أحمد داود أوغلو تصفير المشاكل مع الجيران وتغيير الرؤية الكمالية لإيران ذات الطابع الأمني والأيدولوجي، إلى أخرى ذات ملمح اقتصادي يشجع على التكامل. والجمهورية الإسلامية التي باتت تزرح تحت عقوبات دولية وأمريكية متزايدة، عقد بعد عقد، باتت أكثر انفتاحاً على تركيا حزب العدالة والتنمية، ليس فقط بحكم المشتركات الأيدولوجية والشك المشترك تجاه التدخلات الخارجية في الإقليم – الأمريكية خاصة – بل أيضا بحكم الضرورة الاقتصادية والمصلحة.

فرض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عقوبات أحادية على طهران نهاية عام 2018، فوقعت تجارة السلع والطاقة بين طهران وأنقرة ضحية للعقوبات. بالنظر إلى إحصاءات جهاز الإحصاء التركي، بلغت التجارة البينية في عام 2019 أدنى مستوياتها على مدار عقد إذ بلغت إجمالاً 5،59 مليار دولار مقابل الرقم القياسي الذي حققه الجانبان عام 2012 وهو 21،88 مليار دولار، وفي مقابل 10،69 مليار دولار في بداية العقد. إلا أن الضربة الأكبر التي تلقتها التجارة البينية فكانت في الربع الأول من العام الجاري إثر أزمة الكورونا، إذ شهدت تراجعاً بنسبة 70 في المائة على أساس سنوي. ارتكاز الصادرات الإيرانية على خام النفط كان أحد أسباب تراجع قيمة التجارة البينية مع فرض العقوبات، إذ إن خام النفط شكل ما يقارب نصف الصادرات إلى تركيا سابقاً وهو السلعة الرئيسية التي تستهدفها واشنطن بالعقوبات.

صادرات إيران من الغاز الطبيعي إلى تركيا تشكل معياراً آخر لقياس مرونة العلاقات الاقتصادية. بخلاف النفط، حصلت أنقرة على استثناء من واشنطن لإستيراد الغاز من طهران. ومع ذلك، شهدت صادرات إيران من الغاز إلى تركيا تراجعاً خلال السنتين الأخيرتين مقارنة بعام 2017. كان تراجع صادرات عام 2019 مقارنة بالعام الذي سبقه طفيف، وفقاً لما تعكسه إحصاءات الإدارة المنظمة لسوق الطاقة في تركيا. إلا أن تراجع واردات تركيا من الغاز الإيراني متواضع مقارنة بالتراجع الكبير الذي يشهده استيراد الغاز الروسي. ثلاث عوامل رئيسية وراء هذا التراجع هي: أولاً، تراجع الاستهلاك المحلي في تركيا للغاز خلال عامي 2018 و2019. ثانياً، زيادة تركيا تنويع وارداتها من موردين غاز متعددين فضلاً عن ربط شبكات نقل الغاز الداخلية أكثر بحيث لا تصبح المناطق الجنوبية الغربية معتمدة على إيران حصراً من حيث الإمداد. ثالثاً، زيادة استيراد تركيا للغاز الطبيعي المسال وخاصة من أمريكا.

القوة المتعاظمة التي تتمتع بها تركيا كسوق داخلي مشبع وجسر لنقل الغاز الطبيعي باتت تعطيها قوة تفاوضية من الناحية الاقتصادية والسياسية أكبر قبالة إيران التي تحتاج لأسواق تصدير مع تقيدها ببنية تحتية من أنابيب الغاز وغياب خيار تسييل الغاز بسبب إعاقة العقوبات وأمريكا لتطويرها. على سبيل المثال، فجر مسلحو حزب العمال الكردستاني (البي كي كي) الجانب التركي من أنبوب الغاز الرابط بين إيران وتركيا في مارس/آذار من العام الجاري إلا أن تقريراً لموقع بلاتس في أواخر مايو/أيار عملت تركيا على مماطلة إيران في إصلاح الأنبوب لغرضين – وفقا للموقع – وهما إرضاء واشنطن، وإعادة التفاوض على سعر الغاز. لاحقاً في نفس الشهر لمح وزير النفط الإيراني إلى مماطلة تركيا في عملية الإصلاح، ليعود في تصريح آخر ويبشر بعودة الأنبوب إلى العمل في نهاية يونيو/حزيران. بشكل عام المشاكسات الاقتصادية بين تركيا وإيران ليست جديدة إلا أنها تأتي من جانب تركيا في وقت حرج جداً من الناحية الاقتصادية بالنسبة لطهران. ولا يمكن استبعاد أن الضغط التركي في ملف الغاز مرتبط بالصراع في الشمال السوري.

جاءت زيارة ظريف لرأب الصدع إلا أن إعادة العلاقات التجارية إلى حيويتها السابقة يحتاج إلى إنسجام بين إرادة سياسية لتحقيق ذلك وظروف اقتصادية مواتية. حتى الآن الهجمات التركية والإيرانية المتزامنة في شمال العراق ضد عناصر حزب العمال عكست حدوث توافق ما بين الطرفين. وتصريح ظريف بدعم بلاده لحكومة الوفاق الليبية كان إرضاءً للجانب التركي، ومحاولة توسيع الأرضية المشتركة بينهما في الإقليم. فمع تراجع خطر حصار قطر لم يعد هناك شعور بضرورة التلاقي والتعاون، ومع تجاوز حزب العدالة محنة الإنقلاب الفاشل لم تعد إيران بذات الأهمية كمصدر للدعم الطارئ. تشعر أنقرة بضرورة تحسين العلاقات مع طهران في أوقات العزلة الدولية والضعف الداخلي كما كان الوضع أيضا إبان إنقلاب 1980. أما طهران فتشعر بأهمية ذلك عندما تفرض عليها العقوبات ضرورة البحث عن منافذ للتهرب من العقوبات كما كان أيضاً الوضع إبان عقوبات 2012. ستعكس إحصاءات التجارة لبقية عام 2020 إذا كانت هناك إرادة مشتركة لدعم العلاقات الاقتصادية كمدخل لإنقاذ العلاقات الثنائية والأمنية.