من أي زاوية نطل على مشاكلنا اليوم؟. كيف نستقرئ الفعل أو الحدث السياسي؟. من أين نبتدئ بتفسير أزمات العالم التي نعيش؟. هي أسئلة لا علاقة لها بموقفنا السياسي وانحيازاته بقدر ما لها علاقة بمنهج فهمنا للوقائع التي نعيش. في كتابة الحداثة السائلة، يعتبر زيغموند باومن أننا نعيش اليوم نوعاً من السيولة المرجعية. لم يعد في عالمنا مكان لقسمة الشرق والغرب. لم يعد في عالم اليوم مكان لليمين واليسار، ولا للصدامات الكبرى وانحيازاتها النهائية. ثمة عالم سائل نعيش فيه. للخصوم مصالح متقاربة أحياناً. للحلفاء مصالح متضاربة كذلك.

في سوريا كما في ليبيا، والعراق واليمن، تتداخل المصالح وتتضارب بين الحلفاء والخصوم. ليبيا –الساحة الأكثر سخونة اليوم- تبدو مثالاً صارخاً على تداخل المصالح وتضاربها في آن. لا تريد فرنسا لليبيا أن تكون حديقة خلفية تركية. إن وجود حكومة مدعومة من تركيا في طرابلس الغرب يعني سيطرة تركيا على أمن الطاقة في المتوسط. أو في أقل تقدير، حيازة تركيا للكلمة الفصل في مسألة الطاقة في منطقتنا. للأمر تداعيات تتجاوز الطاقة والاقتصاد. سيعزز انتصار الخيار التركي في ليبيا من فرص دخول تركيا للاتحاد الأوروبي كثاني أكبر قوة تصويتية فيه. دخول تركيا إلى الاتحاد الأوروبي سيعني انتهاء مفاعيل نظام يالطا القديم في ما يخص القارة الأوروبية. ستخسر فرنسا وجنوب القارة الأوروبية ثقلها السياسي إلى غير رجعة، وسيحل التحالف الألماني - التركي بالمرتبة الأولى على مستوى القرار وعند إقرار موازنات الأمن في القارة التعِبة.

لن تكون تركيا، ما بعد الانتصار في ليبيا نفسها ما قبل الانتصار هناك. لن يكون البحر المتوسط نفسه بالنسبة إلى أوروبا. جدار المتوسط (مجموع الدول المطلة على البحر المتوسط) لن يكون فرنسياً بعد اليوم. ستفقد باريس سلطة الأمن وقدرة الفصل في قضاياه. وستتمكن أنقرة -بمساعدة ألمانيا- من لعب دور البديل عن باريس.

تعيد هذه الهواجس بالنسبة لباريس منطق القرن التاسع عشر. يوم دعمت فرنسا مشروع محمد علي في مصر للوقوف بوجه السلطنة العثمانية. تتطلع فرنسا لدعم موقف مصر باعتبارها الموازن الديمغرافي لتركيا في ساحل المتوسط. لكن مصر في وقتنا الراهن لا تزال عاجزة عن لعب هذا الدور. لمصر هواجسها من المسألة الليبية وأكثر. تتطلع القاهرة لما يحصل على حدودها الغربية بعين الحذر، هذا صحيح. لكن القاهرة أرقة اليوم مما يحصل في الجنوب. تحديداً في أثيوبيا وعند حدود سد النهضة على النيل الأزرق. تعي مصر أن مخاطر ليبيا تندرج ضمن حدود الأمن (الخوف من أن تتحول ليبيا إلى خط إمداد تسليحي للجماعات الإسلامية داخلها، أو المتواجدة في سيناء) والاقتصاد، لكنها تعي أن مسألة سد النهضة ومشاكل توزيع المياه بينها وبين أثيوبيا والسودان مسألة وجود. مصر مهددة بمياهها وبحياتها اليوم، ومصدر التهديد يقبع في الجنوب لا في الغرب. وعلى عكس خارطة الليبية، تبدو الخارطة في حوض النيل والقرن الأفريقي جد مائعة. تدعم الإمارات والسعودية أثيوبيا وأريتريا تاريخياً، فيما تدعم قطر وتركيا الصومال والسودان (ما قبل الانقلاب على البشير). اليوم صار السودان بيدقاً في الخارطة الإماراتية لكنه لم يزل أقرب لأثيوبيا منه لمصر في مسألة المياه. نزاعات وانقلابات حوض النيل والقرن الأفريقي تؤرق القاهرة وتشل يدها عن الخوض عميقاً في غمار التراب الليبي. لا تستطيع مصر الذهاب بعيداً في رمال أزمة طويلة الأمد في ليبيا، في ظل تحديات أكثر خطورة في الجنوب.

في كل هذا المشهد السائل كان يمكن للأمور أن تبدو أكثر وضوحاً لو أن الولايات المتحدة واضحة السياسات. إن جزءاً كبيراً من أزمات اليوم نعيشها كارتدادات للصدع الزلزالي في الداخل الأميركي. لا تمتلك الولايات المتحدة سياسات خارجية واضحة المعالم. وبالمثل تفتقد أميركا لتوازن واضح المعالم بين مجموع مكوناتها الداخلية. كان يمكن للخلاف القطري التركي من جهة، الإماراتي السعودي من الجهة المقابلة أن يكون أقل حدّة لو أن أميركا لا زالت تلك التي عرفناها عشية سقوط الاتحاد السوفياتي. وبالمثل، كان يمكن للخلاف الألماني الفرنسي حول مسائل الهجرة، أو الفرنسي التركي في مسائل حوض المتوسط أن يكون أقل وضوحاً لو أن أميركا على قدر من التماسك الداخلي والوضوح في مقاربتها لحلفائها وأحجامهم في مناطق مختلفة من العالم. وهذه نقطة لا تستأهل الكثير من الإيضاح لكثرة شواهدها وما حكي عنها.

***

لا يتوقف أمر سيولة هذا العالم على المواقف وأطراف النزاعات. ثمة أزمة مرجعية في تحديد معالم الهوية اليوم. ربما هي إحدى تبعات المدنية المصطنعة التي نعيش. في القديم كان الخطر حافزاً أساسياً لبناء المدن المطوقة بالجدران أو الأسوار العالية. كانت الجدران والخنادق المائية والحواجز المطوقة بالأسلاك الشائكة تميز الحدود بين الـ"نحن" والـ"هم". بين النظام والفوضى، السلم والحرب. كان الأعداء يقبعون خلف الأسوار، ولا يسمح لهم بعبورها، كانت المدينة مكاناً آمناً نسبياً. لكن هذا ما لم يعد عليه حال اليوم.

لقد انتقلت مصادر الخطر إلى قلب المدينة، بالأصدقاء، والأعداء، والغرباء. هكذا صارت الحروب ضد انعدام الأمن وانتشار الأخطار تقع داخل المدينة، وداخل المدينة تتحدد ساحة المعركة.

تعيش الولايات المتحدة هذا الخطر بنحو كبير. عام 2009، وبعيد أزمة الرهون العقارية عرف وادي السيليكون نمواً بلغ معه 34% من حجم الاستثمار الأميركي في المشاريع الجديدة. كان لصعود اقتصاد وادي السيليكون أثره في تسريع التفسخ في بنية الاقتصاد- المجتمع الأميركي. لقد جاء صعود اقتصاد السيليكون على حساب اقتصاد الشركات الفوردية ووال ستريت. ترافق ذلك - أو كان من نتائجه -، زيادة حجم وظائف الـoffshore jobs، ارتفاع نمط الاقتصاد الرقمي، صعود جمعيات المجتمع المدني، وهي العوامل التي أسهمت مجتمعة في تسريع اهتزاز بنية المجتمع بشكل كبير. بالنسبة لشخص مثل فرانسيس فوكوياما كان في صعود جمعيات المجتمع المدني، والاقتصاد الرقمي، ارتدادات تمثلت بردة فعل المجتمع الذي بات يشعر أنه مهدد بتسرب ثرواته إلى الخارج، الأمر الذي أفضى لصعود اليمين. يرى فوكوياما اليمين رد فعل طبيعي على خطاب "يسار المجتمع المدني".  

يعبّر ترامب عن هذا الاتجاه بقوة، ويرى في إيران عنواناً ملائماً للاجابة عن سؤالين أو تحديين؛ أحدهما خارجي والآخر داخلي. على المستوى الخارجي، يرى ترامب في الاقتصاد الآسيوي تهديداً حقيقياً لمنظومة رأس المال الأميركية، كما يرى في إيران بوابة ولادة الاقتصاد الآسيوي (ليست الاشتراكية الخصم المنهجي المنطقي الوحيد للديمقراطية الليبرالية، إنما نموذج رأسماليّة الدولة في الصين/ فرانسيس فوكوياما). على المستوى الداخلي يعي ترامب أهمية إيران والعداء لها في جمع كل أقطاب اليمين من حوله. لذا هو ينظر للجمهورية الإسلامية وللعداء لها باعتباره الثابت الأوحد في كل سياساته الداخلية والخارجية. إيران بوابة عبور الصين إلى ضفة المتوسط (قلب العالم). وإيران عنوان استعادة الهوية الجمعية لكل أجنحة اليمين.

يحتاج الرجل لخوض حربه على إيران وحلفائها وفق منطقه، ومن زاوية الحرب الاقتصادية. لا يجد الرجل مشكلة في خسارة ود روسيا في سوريا، إذا ما اقتضى الأمر خروجه بصورة المنتصر قبيل الانتخابات. يكاد قانون قيصر يطيح بكل جهوده منذ بدء ولايته الرئاسية الأولى للفصل بين المسارين الروسي والإيراني في سوريا. صورة الناس الجائعة في بيروت ودمشق وصنعاء تعني للرجل الكثير. أقله في تأكيد حيازته "نصراً ما" قبيل موعد استحقاق الانتخابات الرئاسية في تشرين.

في المقابل تخوض إيران وحلفائها "حرباً باردة" مع الولايات المتحدة عنوانها كسر الهيمنة الأميركية. تعي طهران جيداً حجم سيولة المواقف والأزمات. هي تحاول تفكيك المشهد قبيل الامساك به من المنتصف. تؤيد تركيا في ليبيا، تطمئن روسيا في سوريا، وتحاول احتواء الأكراد وتجنب أزمات متفجرة معهم في العراق. تتطلع طهران للحافة الشرقية للمتوسط باعتبارها ساحة عمل واحدة. هي تدرك وحلفاؤها حجم التداخل بين صنعاء وبيروت ودمشق وبغداد بشكل عميق. عشية صدور قانون قيصر ضد سوريا، خرج الأمين العام لحزب الله متوعداً الأمريكيين وحلفائهم ممن عزموا خوض حرباً اقتصادية ضد دمشق وبيروت وصنعاء، حاسماً القول "بقتلك". لم يمض على خطاب الأمين العام لحزب الله أكثر من 48 ساعة حتى أطل أمين عام حركة أنصار الله اليمنية السيد عبد الملك الحوثي معتبراً الحرب التي تخاض على سوريا ولبنان واليمن حرباً واحدة. مرة أخرى لم يكد يمضي على خطاب السيد الحوثي 48 ساعة، حتى دكت صواريخ اليمن الرياض. وعلى اختلاف تقديرات حجم الخسائر في السعودية. يمكن لهذه العملية أن تقرأ باعتبارها "عملية توازن الردع الرابعة" بحسب ما أسمتها وزارة الدفاع اليمنية. كما يمكن قراءتها باعتبارها رسالة الردع الأولى من قوى المقاومة في مواجهة الحرب الاقتصادية. واشنطن قرأت الرسالة قبل الرياض، قواتها في عين الأسد كذلك الأمر، رادارات الجيش الأمريكي في قاعدة الـK1 شمالي العراق  قرأتها، وبالتأكيد قرأ المستوى الأمني والعسكري الإسرائيلي ذلك في "هكرياه/ مقر وزارة الدفاع" في قلب تل أبيب جيداً.