يكادُ العرب المشرقيون لا يعلمون عن إخوتهم في القارة الأفريقية إلا النزر القليل جداً، إذ تقتصر معرفتهم التاريخية على شخصيات محدودة، من مثل طارق بن زياد وعمر المختار. أما أخبار الحاضر، فتنحصر في ما تقدمه وسائل إعلام الفريقين العربيين المتنافسين على امتداد ساحات العالم الإسلامي، وهذا من الخطايا التاريخية التي لا مجال لذكرها في هذه العجالة.

لا يشذّ المشهد في ليبيا عن هذا السياق، إذ يغيب هذا البلد الغني بشعبه وثرواته عن الوجدان المشرقي، وتغيب عنا محطاته التاريخية العظمى، كالحرب الأميركية البربرية الأولى (1801 – 1805) التي سُمّيت بـ"الحرب المنسية"، في إشارة بالغة الدلالة إلى إهمال ذكراها، رغم تجسيد أبرز أحداثها في العمل السوري الليبي المشترك المغمور "حرب السنوات الأربع"، من إحراق العلم الأميركي لأول مرةٍ في أفريقيا فوق القنصلية الأميركية في طرابلس إلى أسر البارجة الأميركية (USS Philadelphia) وإحراقها قبالة خليج مدينة سرت.

أبدى الغرب - بخلافنا نحن المشرقيين - اهتماماً شديداً بذلك البلد المتوسطي ذي الموقع الجيوسياسي المهم، وبما يحتويه من ثرواتٍ تحت رماله المترامية التي شهدت أشهر معارك الحرب العالمية الثانية بين رومل ومنتغمري، فإيطاليا التي ضمّت ليبيا إلى مجالها الحيوي، واستعمرتها لعقودٍ طوالٍ استهلَّتها بأول عملية قصف جوي بالقنابل في التاريخ في العام 1911 على تاجوراء وعين زارة، لم تخرج منها عقب هزيمتها في معركة العلمين، كما يخيّل إلى بعضنا، بل تقاسمتها مع بريطانيا وأميركا، وزرعت قواعدها فيها رغم أنف الملك إدريس السنوسي الذي يبالغ إعلام اليوم في تقديره وتلميع صورة حُكمه بوصفه "العهد الباهي" للملك المؤمن المسالم الذي كان يتبارك به الرئيس السادات - المؤمن أيضاً للمفارقة - بل أعاد برلمان الثورة الليبية الاعتبار له بإعادة الجنسية الليبية التي لم تُسحب منه قط، بعد أن أسقطها الضباط الوحدويون الأحرار في العام 1969 في ثورة الفاتح من سبتمبر التي أجلت القوات البريطانية، فالأميركية، فالإيطالية عن الأراضي الليبية في العام 1970.

مرة جديدة، تغيب عنا ثورة الفاتح من سبتمبر، باعتبارها ثورة شعب لا ثورة "زعيم". لقد رسمت هذه الثورة مساراً قام على استغلال عائدات احتياطيها النفطي لصون الاستقلال، وتحقيق مشروع وحدوي أفريقي - بعد فشل مشاريع الوحدة العربية - فمنعت الثورة الصفقات، وأغلقت السوق الليبي المزدهر على الغرب، وربما بالغ القذافي - لأسباب تخصّه بشكل شخصي - بالتوجه أكثر نحو الوحدة الأفريقية، من خلال مشروع المصرف الأفريقي للتنمية وصندوق النقد الأفريقي، وتمويله القمر الصناعي الأفريقي، بالتوازي مع إطلاق مشاريع طموحة عملاقة كمشروع الريّ الأكبر في العالم في قلب الصحراء الأفريقية. ولنا في ذلك دروس ملموسة على إمكانية نمو أفريقيا من دون الاعتماد على النظام المصرفي الغربي، ومن دون الخضوع لإملاءات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.

كل ذلك جعل من ليبيا مصدر إزعاج دائم للدول الغربية ولشركاتها التي هالها استحواذ الشركات الروسية والصينية والتركية على ما تعتبره حقّها في السوق الليبي، انطلاقاً من المبدأ الديغولي القائل أن "لا وجود لفرنسا (والغرب) من دون أفريقيا، ففرضت سلسلة من الإجراءات العقابية اقتصادياً وسياسياً على ليبيا (قرار مجلس الأمن 883 في العام 1993، و748 في العام 1992، وقانون ISA في العام 1996)، وجعلتها على رأس قائمة الدول "المارقة" التي اُتيح للغرب تدميرها وإسقاطها في الفوضى تحت ستار الربيع العربي.

ليبيا في مرمى تركيا وخارج خارطة العرب

سارعت ليبيا خلال الأزمة القبرصية في العام 1974 إلى مساعدة تركيا بالوقود والسلاح عبر دولة أوروبية وسيطة. وقد أسَّست تلك الحقبة لعلاقات متينة بين البلدين. استمرّ التعاون الليبي التركي، وأثمر استثمارات ضخمة في مجالات الزراعة والتقنية، ووصل مستوى التبادل التجاري بين الطرفين إلى حدود 10 مليارات دولار حتى العام 2010.

كما بلغت الاستثمارات التركية في ليبيا قبيل الربيع العربي حوالى 100 مليار دولار أميركي. كانت ليبيا تستوعب أكثر من 25 ألف عامل تركي، فيما بلغ المعدل الوسطي لعدد السياح الليبيين في تركيا سنوياً 50 ألفاً، لكن تركيا إردوغان، وبقدرة قادر، تحوّلت فجأةً إلى رأس حربةٍ في تدمير ليبيا الدولة والمجتمع في العام 2011.

وبعد سنتين من وصف الرئيس إردوغان لنظيره الليبي بـ"أخي" خلال زيارته إلى طرابلس في العام 2009، عاد إلى المدينة مجدداً في العام 2011، وشارك في صلاة الجمعة في الساحة الخضراء الشهيرة (بعد يومٍ واحد من زيارة كاميرون وساركوزي)، مشيداً بتضحيات "الثوار" الذين قتلوا "أخاه" القذافي، واعداً بفتح السفارات وخطوط الطيران، ثم ما لبثت تركيا أن حوّلت ليبيا إلى قاعدة إمداد لوجستية لشحن السلاح والمقاتلين إلى سوريا.

أما عرب الضفة الآسيوية، فلم يدُم إهمالهم لليبيا طويلاً، إذ عادوا إليها كوكلاء للغرب في حملة التحريض والتدمير الممنهج، ثم كـ"متعهدين" لبعض بنود خطة النهب الغربية لثروات المتوسط الغازية الواعدة التي شكلت محور المستوى الثاني من الصراع في ليبيا بين معسكري تركيا وقطر من جهة، الداعمتين لحكومة الوفاق في طرابلس، والسعودية والإمارات ومصر من جهة أخرى؛ البلدان الداعمة لقوات اللواء خليفة حفتر.

وقد أسهم ازدياد أهمية الغاز عالمياً في تسارع الصراع على الأحواض الغازية الضخمة شرق المتوسط، بعدما كشف المسح الجيولوجي وجود احتياطات ضخمة فيه (122 تريليون قدم مكعّب)، نظراً إلى رغبة الدول في تنويع مصادر الطاقة، وسعيها إلى خفض الانبعاثات الحراري (التزاماً باتفاقية قمة الأرض للتنمية البيئية المستدامة في العام 1992)، ما انعكس سلباً على ليبيا التي اتخذ الصراع فيها منحى جديداً، إذ وجدت تركيا نفسها مجبرةً على التحرك إزاء إنشاء منتدى غاز المتوسط المؤلف من "إسرائيل"، قبرص، اليونان، إيطاليا، مصر، والأردن، والذي يستثني الدول الرئيسية الحاضنة للثروة الغازية، أي سوريا وتركيا.

وسرعان ما وجّهت صفعة إلى المشروع بتوقيع اتفاق مع الحكومة الليبية في تشرين الثاني/نوفمبر من العام المنصرم، يُرسِّم حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة في البحر المتوسط بين البلدين، ما لاقى ردود فعل عالية النبرة من قبل دول منتدى غاز المتوسط التي رأت في الخطوة محاصرةً لها، وردوداً أكثر حدةً من المحور السعودي الإماراتي وحليفه الليبي اللواء حفتر، رغم أن المفاوضات بين تركيا و ليبيا كانت قد بدأت قبل الثورة - تحديداً في العام 2008 - ورغم أن الاتفاقية تمنح ليبيا آلاف الكيلومترات البحرية التي تدّعي اليونان تبعيتها لها.

أما على المستوى الدولي، فقد لاقى منتدى غاز المتوسط دعماً من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، فيما رأت روسيا التي لم تنسَ "خديعة العام 2011" أنها أمام مشروع غربي لمحاصرتها وخنق مشروعها "السيل الجنوبي".

لذلك، تغيبت عن اجتماع المنتدى في القاهرة (في كانون الثاني/يناير 2020) رغم علاقاتها الجيدة مع مصر، وحرصت بشكل متزامن على دعم وقف إطلاق النار بين المتحاربين في قمة برلين حول ليبيا، لضمان عدم سقوط حكومة طرابلس، وبدأت تنحو أكثر باتجاه تركيا في الملف الليبي، نظراً إلى ما توفره الاتفاقية التركية – الليبية لها من عرقلة لمشروع خط الغاز المنطلق من "إسرائيل" لمنافسة الغاز الروسي في أوروبا.

توهّم الرأي العام العربي بأن جوهر الأزمة هو صراع تركي مصري على الأراضي الليبية، واستفاقت الجماهير العربية على السيادة الليبية السليبة، بعد أن داستها الحكومات العربية بنفسها في العام 2011، حين طلبت جامعة الدول العربية (باستثناء سوريا والجزائر) تدخلاً دولياً وحظراً جوياً من مجلس الأمن الدولي تحت مبرر "حقّ التدخل الإنساني" الملتبس.

 أما الواقع، فهو أننا أمام فصلٍ جديد من مسلسل النهب الدولي المستمر لثرواتنا، وأمام هذا الكمّ من التعقيدات، وفي ظل احتدام الصراعات الدولية في حوض المتوسط والإقليم، وعودة بعض مظاهر الحرب الباردة ودبلوماسية البوارج، تبدو وجهات النظر أكثر تباعداً. وعليه، فإن فرص الحلول والتسويات تتضاءل أكثر مقابل الصراع المرشح للتصاعد رغم الفرملة الدولية المؤقتة.